صحيفة الاتحاد

ثقافة

لوحة «منقذ العالم».. مرآة تعكس التسامح الإماراتي

ليوناردو دافنشي (أرشيفية)

ليوناردو دافنشي (أرشيفية)

إميل أمين

ربما كان أنفع وأرفع ما عرفته تجربة الإمارات العربية المتحدة في حاضرات أيامنا بجانب نهضتها التقنية ومشروعاتها التكنولوجية، ريادتها في مجال الآداب والفنون، تلك اللغة التي توحد البشر من حولها، عبر المتاحف والمعارض، ومن خلال قاعات المؤتمرات وعبر التلاحم الإنساني من الشرق والغرب، وقد أضحت الإمارات وعن حق بمثابة «رواق الأمم» الذي عرفه اليونان قبل أكثر من ألفي سنة.
ما الذي تعنيه لوحة الفنان العالمي، والمبدع المخترع متعدد المواهب «ليوناردو دافنشي» والتي عرفت باسم «منقذ العالم»؟ وهل ما تعنيه يتعلق بها كمجرد لوحة فنية تعلق في متحف وإن كان بقدر جمال وإبداع متحف اللوفر أبوظبي، أم أن هناك فلسفة بعينها تبقى قائمة وراء اختيار اللوحة ووضعها بما تحمله من معنى ومبنى إنساني؟ يمكن للمرء أن يستفيض في الشرح غير أن هناك منطلقين لابد من الوقوف أمامهما في تحليل الحدث الإنساني والفني المتعلق بعرض متحف اللوفر- أبوظبي لهذه اللوحة رائعة الجمال، نادرة الوجود:
أولاً: إنها تعكس فكرا تقدميا للقائمين على هذا الصرح الحضاري الجديد الذي يضيف للإمارات ألقاً على ألق، أي المتحف وما به، وتفتح الأبواب واسعة أمام تلاقي الشرق والغرب من حول ركيزة الفنون بوصفها أداة لتوحيد الأمم والشعوب من حولها، وباختصار غير مخل، يخلق الفن حوارا فيما الأصوليات تقيم جدرانا عالية، تقرب الفنون بين القلوب والعقول، فيما أدوات الشر تجعل الجحيم مقيما بالقرب منا، عوضا عن أن يكون ملكوت الله في داخلنا.
ثانيا: اختيار اللوحة التي جعل دافنشي بطلها السيد المسيح يشي بمقدار التسامح والتصالح القائمين في النفس الإنسانية الإماراتية، التصالح مع الذات من منطلق جذور وتراث عروبي وإسلامي سمح وحنيف، قابل للآخر ومنفتح عليه، ذات تعي جيدا أن الحضارة الإنسانية هي معين لكل البشر من مختلف الأديان والمذاهب والأجناس والأعراق، صب فيه الجميع حال الفيض، وأخذ منه الكل عند الحاجة.
أما التسامح فتعكسه العلاقة مع أصحاب الملل والنحل والمغايرة، الأمر الذي بات واقع حال يتجسد في السماح بممارسة الشعائر الدينية وبناء أماكن العبادة دون تعنت أو تزمت.
حين تأتي لوحة للسيد المسيح لتقام في القلب من معرض بديع على أرض دولة إسلامية، فان الأمر يستدعي البحث عن الأسس التي قامت عليها الإمارات، والمؤكد أننا نجدها عند زايد الخير «طيب الله ثراه»، الأب والمؤسس للدولة العصرانية في ثوبها القشيب الحالي، فقد كان المغفور له الشيخ زايد «طيب الله ثراه» سر نهضة الإمارات والتسامح الذي ميزها شعبا وحكومة، وجعل قفزاتها الحضارية واسعة، فقد آمن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بكل ما قال به الفيلسوف الانجليزي التنويري «جون لوك» في رسالته عن التسامح، تلك التي دعا فيها إلى القضاء على بنية التفكير الأحادي المطلق، ومجابهة روح التعصب الديني، وإقامة الدين على العقل وبناء منظومة حقوق تؤسس لمفهوم التسامح.
حين تطل لوحة «منقذ العالم»، على عيون زوار متحف اللوفر أبوظبي من كل جنسيات العالم، سوف يتذكر الجميع كلمات أكثر من بابا روماني كاثوليكي، أثنوا كثير الثناء على مساحة التسامح التي تعرفها الإمارات.. الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تقدم الأراضي تبرعا وتطوعا لبناء الكنائس، لتتيح للجاليات المسيحية من بقاع الأرض وأصقاعها النسك والتعبد.
هل يمكن للوحة واحدة أن يكون لها مفاعيل جزيلة الأهمية؟
الفنون في عصرنا الحالي، لها فائدة بل فوائد عظيمة، إذ يناط بها محاولة تحقيق التوازن بين ما ترنو إليه النفوس من روحانيات وصفاء ونقاء، وما يعيشه العالم من صراعات قاتلة تدور كلها حول محور المادة والماديات وصراع الموارد.