دنيا

قرى أثرية تروي تاريخ عمان بالطين و «الصاروج»

القرى الأثرية في عمان ما زالت تحتفظ برونقها ومبانيها العتيقة (من المصدر)

القرى الأثرية في عمان ما زالت تحتفظ برونقها ومبانيها العتيقة (من المصدر)

يوسف البلوشي (مسقط) - تتميز القرى العمانية التقليدية بطبيعتها الجميلة التي جسدت حياة الإنسان العماني في الماضي، ببساطتها وبقسوتها، وبينت مدى تكيفه مع البيئة المحيطة، وكيفية استثمار موارد الطبيعة لقضاء حاجاته الأساسية. وتطل العديد من القرى العمانية على جبال الحجر التي تتمازج مع المدينة العصرية بمبانيها الحديثة ومع النمط المعماري القديم للقرى العمانية الأثرية القائم على الطين والصاروج (الجبس). وباتت اليوم مزاراً سياحياً بارزاً يروي تاريخ عمان عبر العصور.
تعتبر القرى الأثرية مزارات مهمة تحكي تاريخ عمان عبر العصور المختلفة، وقد كانت البيوت العمانية تبنى من الطين والصاروج (الجبس)، حيث تناقل الأبناء من الآباء والأجداد هذه الحرفة التي بدأت تضمحل مع وجود مواد البناء الحديثة التي حلت تدريجياً محل الطابوق الطيني والصاروج. وتعد قرية منال، الواقعة في وادي بني رواحة بولاية سمائل بمحافظة الداخلية، من القرى الجميلة التي تطل على الشارع العام المتجه لولاية نزوى، أو القادم من الولاية إلى محافظة مسقط إحدى نماذج هذه القرى العتيقة الجميلة.
قرية «منال»
حول عدد من القرى العمانية الأثرية، يقول المرشد الأثري محمد علي، من جامعة السلطان قابوس «على الجبال المطلة من الجانب الغربي تقع قرية منال، حيث الجبال الشاهقة التي تكون الحد الفاصل بين محافظة الداخلية ومحافظة الباطنة جنوبا، ويحدها غربا الجبل وشمالاً قرية سيجاء وجنوبا وادي قري.
وعندما تصل لقمة الجبال تشاهد القرى والمساكن التابعة لمحافظة الباطنة جنوبا مثل وادي مستل.
ويكثر بهذه الجبال أشجار العتم والبوت والعلعلان والزعتر والسدر والطلح أشجار كثيرة متنوعة ذات فائدة وقيمة عالية، وهذه الجبال مرتع لحيوانات الوعل العربي، حيث تشتهر بعيشها في الجبال العالية».
ويضيف «كانت القرية معروفة قديما باسم «وبال» وهو اسم يحمل مدلولات لكوارث حلت بالمنطقة، ثم تحول الاسم في عهد السلطان قابوس إلى اسم «منال» القرية الأثرية التي اكتشفت إثر عملية حفر من أجل بناء الشارع العام في المنطقة، فهي أثر يضاف إلى السجل الزاخر بالآثار العمانية المكتشفة».
وحول أهمية القرية، يؤكد محمد أنه قد تم اكتشاف المقبرة الأثرية بقرية منال التي يعود تاريخها إلى 4 آلاف عام، حيث دلت الحفريات المكتشفة بالمقبرة الأثرية أن المرحلة السكانية الرئيسة كانت في أواخر الألف الثانية وأوائل الألف الأولى قبل الميلاد وحتى اليوم، وما دلت عليها المكتشفات في قريتي منال وتجاورها قرية سيجاء عدد من المواقع الأثرية التي قامت على فوهات الأودية، كما عثر فريق من بين المستكشفات على عينات البرونز والدمى والأصداف وعظام الحيوانات، إضافة إلى عدد من النقوش الإسلامية والرسوم الصخرية».
عن الآثار الإسلامية التي تضمها القرية، يقول علي إن قرية منال بها العديد من المساجد وأشهرها مسجد «القصر»، الذي يتميز بمحرابه الجميل والزخارف الإسلامية الرائعة، والتي تبرز براعة الإنسان العماني في إبداعه الفني، وقد تم بناء هذا المسجد منذ مئات السنين ومع مرور الزمن تأثر بناء هذا المسجد، ثم تم ترميمه في عام 1998، ويتوافد على هذا المسجد الزوار من السلطنة وخارجها».
وتوجد بالقرية سبلة مشهورة تسمى سبلة «السمن»، وقد بنيت من الطين، حيث كان الآباء والأجداد يلتقون فيها لتناول القهوة وتبادل الأحاديث، وحل الخلافات التي تقوم بين الأهالي قديماً، ولا تزال باقية شاهدة بمقوماتها وتاريخها الحيوي.
قرية «وكان»
من القرى الأخرى التي تتميز بمناظرها الجميلة قرية «وكان» التي تقع على ارتفاع ألفي متر عن سطح البحر في وادي مستل بولاية نخل بمحافظة جنوب الباطنة، وتبعد عن مسقط 150 كم، ويمر الطريق المؤدي للقرية بعدد من الأودية، ويتطلب الوصول إلى القرية استخدام سيارات الدفع الرباعي.
يقول محمد إنها تمتاز هذه المنطقة باعتدال درجة الحرارة صيفاً وانخفاضها شتاءً، وتنتشر في القرية العديد من المدرجات الزراعية، حيث تجد العديد من الأشجار المثمرة مثل: العنب، ورمان، والمشمش بالإضافة إلى بعض البقوليات.
وتحتوي القرية عند مدخلها، على مركز معلومات واستقبال الزوار، كما تم إنشاء طريق بمسافة 1,100 كم يتألف من 700 درجة صاعدة حتى القمة، والطريق محاط بسياج حماية، ويحتوي على مناطق خدمات، بالإضافة إلى أبراج مشاهدة على شكل قلاع ومظلات وبعض المجالس، بالإضافة إلى مركز استراحة يشرف على القرية والمدرجات،.
كما ويمر الفلج الهابط من أعلى القرية باتجاه المدرجات الزراعية بهذا الطريق، وقد تم استخدام المكونات الطبيعية في بناء الطريق، كما ويوجد مسار جبلي يربط القرية بالجبل الأخضر لمحبي رياضة المشي.
ويقول خالد حبيب من وزارة السياحة هناك أيضا قرية قانة، وهي إحدى أقدم القرى الموجودة في خور شم بولاية خصب محافظة مسندم، وتبدو البيوت الصخرية الموجودة فيها كأنها في الجرف نفسه لذا يصعب على الداخل تميزها وهو الغرض الأساسي لإنشائها كونها أول خط دفاعي، ويتم الوصول إليها عن طريق البحر، من خلال الزوارق التي تعبر المنطقة فتراها تتوهج عند انعكاس أشعة الشمس عليها، ويعتمد معظم أهالي القرية في معيشتهم على مهنة الصيد.



محاكاة الأصالة
أصبحت المهرجانات الحديثة بفعالياتها التي تنظم في المدن العمانية تضع ضمن أركانها نموذجا لتلك القرى الجميلة، فمثلا في مهرجان مسقط، يقول الباحث علي الحسني، من بلدية مسقط «تعتبر القرية التراثية إحدى أهم الفعاليات في هذه المهرجانات العُمانية كونها تعتبر معرضا حيا للفنون والحرف العمانية»، لافتا إلى أن بلدية مسقط قامت بإنشاء قرية تراثية تقليدية تم تصميمها كقلعة تقليدية، وهي تحتوي على سوق نشط تضم أكشاكا لبيع السلال التقليدية والمنتجات الفخارية والفضة، ويتمكن زوارها من رؤية بعض الحرفيين وهم يمارسون الحرف العمانية التقليدية، وذلك خلال الفترة من 26 يناير الجاري إلى 23 فبراير المقبل في حديقة القرم الطبيعية.
ويوضح الحسني «تحتضن القرية كل عام مشاركة الولايات في مسابقة البرنامج التلفزيوني التراثي «أصالة مهرجان مسقط»، وتشارك فيه ولايات المضيبي وصحار وسمائل وجعلان بني بوعلي وشناص ومنح وخصب وبدية والرستاق والمصنعة وجعلان بني بوحسن وبوشر وعبري ومرباط ونزوى وصحم وإبراء ونخل ومحوت والسويق والبريمي وبركاء وإزكي والكامل والوافي والخابورة وصور وقريات».