رأي الناس

لقاء الماضي والحاضر «3 - 5»

راديو! قالَ الجدُّ: نعم هذا هو الرَّاديو القديمُ. ردَّ الجدُّ وأصابعُ يدهِ تُديرُ مفاتيحَ الجهازِ الذي اعتقد َأحمدُ أنَّه صندوقٌ، لقد كان شيئاً نادراً ونفيساً، وعندما كنَّا نفْتحُهُ تجْتمعُ العائلةُ وأفرادُ القرْية ِللاستماعِ إلى ما يبثُّهُ من أخبارٍ وأغــانٍ، كنَّا نشعرُ بالسُّرورِ والفخرِ لسماعِهِ. استجابَ الجهازُ لأصابعِ الجدِّ، وانطلقَ منه صوتُ مذيعِ الأخبارِ استمعَ الجدُّ للصَّوتِ ثمَّ أطفأ الجهاز.
في هذه الأثناءِ توجه أحمدُ إلى المكْتبةِ وهو ينظرُ إلى العناوينِ والأغلفَةِ القديمةِ، وقال: جدي أنتَ محظوظٌ جداً. سألَ الجدُّ: لماذا؟، قال أحمدُ: لقد سافرتَ إلى العديدِ من البلدانِ وخضْتَ البحارَ وتعلّمْتَ. قال الجدُّ: نعم يا ولدي هذه كانت طريقَةَ حياتِنا، كان عليْنا أنْ نُسافرَ في رحلاتٍ طويلةٍ للتِّجارةِ؛ حتى نحصلَ على لقمة ِالعيْشِ، والبعْضُ كان يُبْحرُ في البحرِ في رحلاتِ الغوصِ الخطيرةِ، والبعضُ لصيدِ الأسماكِ، هكذا كانت حياتُنا لا تخلو من الصِّعابِ والمخاطرِ.
قالَ أحمدُ: أريدُ أنْ أكونَ مثلَك أسافرُ وأتعلَّمُ، وأمتلكُ الحكْمةَ والمعْرفةَ. ردَّ الجدُّ: أنْتم في هذه الأيَّامِ محظوظون تمْلكون كلَّ شيءٍ، بدلاً من أن تسافروا أصبحَ العالمُ يأتي إليكم، وقدْ وفَّرت لكم الدَّولةُ كلَّ شيءٍ والفضلُ لله، وللمغفور له الشَّيخ زايد «طيب الله ثراه» الذي قَضى حياتَه في جمْع كلمتِنا وتطْويرِ البلادِ حتَّى وصلْنا إلى ما نحْن فيه من تقدُّمٍ وعمْران ومدنيّة وازدهار، والحمد لله.
مالَ الجدُّ برأسِه إلى أحمدَ وقال: نعمْ يا أحمدُ عليْك أن تتَعلمَ فلا يكْفي الذَّهابُ إلى المدرسةِ حتى تمْلكَ الحكْمةَ والمعرفةَ. بدا الاهتمامُ في وجْهِ أحمدَ وهو يُنْصتُ إلى جدِّه وقال: ماذا عليَّ أن أفعلَ إذن؟! أشار الجد ُّبيدِهِ إلى المكتبةِ، وقال: أن تقرأَ..
قال أحمدُ: أنا أحبُّ القراءةَ، ولكنْ أريدُ أنْ أسافرَ. ردَّ الجدُّ: بالقراءةِ تسْتطيعُ السفرَ وأنْت في مكانِك. قامَ الجدُّ من مكانِهِ وتحرَّك إلى جهةِ المكْتبةِ وأخرجَ أحدَ الكتبِ وأعطاهُ لأحمدَ، وقالَ له: خُذْ هذا الكتابَ.
نظرَ أحمدُ إلى عنوانِ الكتابِ ردَّد وهو يقرأُ رحلاتِ السِّنْدباد البحريِّ، قال الجدُّ: هذا كتابٌ في الرَّحلات اقرأْه، وقلْ لي رأيَك فيه.
أمسكَ أحمدُ بالكِتابِ وتفحَّصَ غِلافَه القديمِ، وأُعجِب بالرسمةِ على الغلافِ التي تصوّرُ سفينةً. فتح الكتابَ وكانتْ أوراقُهُ صفراءَ عتيقةً، بدت في غايةِ الجمالِ. تطلَعَ أحمدُ إلى جدِّه وقال: سأفْعل يا جدي وسأقرأُ.
في الصَّباحِ أقْبل أحمدُ إلى الصَّالةِ، حيثُ كان والدُه يجالسُ الجدَّ يحْتسيان القهوةَ. ثمَّ توجَّه أحمدُ إليْهم وسلّم على جدِّه وقبّلَ رأسَهُ ثمَّ قبّل رأسَ أبيهِ، وبيدِهِ الكتابُ، ثمَّ قال لجدِّهِ وهُو يمدُّ يدَه بالكتابِ: لقد قرأتُ الكتابَ. ضحك الجدُّ وقال: بهذه السُّرعةِ؟، أجاب أحمدُ: نعم يا جدي الكتابُ شيِّقٌ ومليءٌ بالمغامراتِ، ووصفٍ دقيقٍ للأماكنٍ، عندما كنت اقرؤه كنتُ أشعرُ أنَّني مع السِّنْدباد أخوضُ البحر َوأشاهدُ العجائبَ. تبسَّمَ الجدُّ وضحكَ والدُ أحمدَ وهو يقول له: خيالُك خصْبٌ يا أحمدُ.