الرياضي

ميسي الطفل

شخصياً لا أعرف والدة ميسي، لا من قريب ولا من بعيد، كما أني لا أعرف ميسي، إلا من خلال لوحاته المرسومة فوق أرضية الملاعب، وهي اللوحات التي ربطت هذا اللاعب بجمهوره في مختلف أطراف الأرض كما ربطت المبدعين بيكاسو وفان جوخ وليونارد دافنشي بعشاق الرسم.. ورغم ذلك شعرت بحزن عميق، وأنا أقرأ ما دونته والدة ميسي في هذا المونديال عن ولدها، وهي التي قالت ارحموا ابني.. إنه يحمل أوزاراً لا يتحملها بشر، في إشارة إلى المعاناة النفسية التي يعيشها ولدها، من خلال مونديال هذا العام، ومن خلال البداية المحتشمة جداً التي انطلق بها منتخب الأرجنتين، حتى خيل إلينا أنه سيكون من المودعين لمونديال روسيا غير مأسوف عليه.. فهي تعرف أن ابنها شارك في نهائيات المونديال للمرة الرابعة على التوالي، وقد لا يسمح له العمر أو الإصابات بمونديال خامس، وهي أيضاً تدرك أن ابنها أفضل لاعب في العالم - كاليد الواحدة - لم يستطع أن يصفق بمفرده، بما جعله يعود في نهاية كل مونديال، حاملاً معه قفة من الأوجاع والآلام واللوم والعتاب، وهي الصورة التي تكررت ثلاث مرات خلال سنوات 2006 بألمانيا، ثم 2010 بجنوب أفريقيا، وأيضاً 2014 بالبرازيل، وقد تتكرر هذا العام، إذا عاد منتخب «التانجو»، دون أن يفرض رقصته في روسيا ليزداد الضغط على نجمه الأول ليونيل ميسي الذي ما أنْ يتعافى من أزمة نفسية جراء النتائج سواء في البارسا أو المنتخب، حتى يدخل في أخرى أشد حدة، وبالتالي لا غرابة في أن تطلق والدته صيحة الفزع تلك، وتطلب من الجميع أن يرحموا ابنها، لأنه يبقى إنساناً قبل أن يكون نجم الأرجنتين والعالم.. ولا نراها إلا محقة في ما ذهبت إليه، خاصة أنها تكلمت بروح الأم، وليس بروح عاشقة الأرجنتين، وهي أكثر الناس معرفة بالظروف التي تحيط بابنها، كلما كان منتصراً أو منكسراً، وطبيعي أن تكون أكثر الناس خوفاً على ميسي من نتائج مونديال روسيا، بعد أن حمله مواطنوه ما لا يحتمل، ونسي الجميع أنه لولا هذا اللاعب الفذ لما عبرت الأرجنتين إلى روسيا أصلاً، حتى صورته يومها الصحافة الأرجنتينية بأنه المنقذ، بعد أن سجل ثلاثية وتحمل مسؤولية في حجم الجبل.
أمثال ميسي كثيرون، ولو أنهم يختلفون في الدرجات، إذ لا ننسى مثلاً ما انتظره الشعب العربي عامة والمصري خاصة، من قدمي محمد صلاح في مونديال هذا العام، لكنه تاه في الزحام، وزادته الإصابة شتاتاً في تركيزه ومستواه، ولا غرابة أن يكون تأثير الخروج المصري سلبياً على مسيرته الكروية في ليفربول، طالما بعضنا يعامله كنجم وليس كإنسان لديه طاقة تحمل محددة لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، حتى لا نخسر صلاح وأمثاله إلى الأبد.. فالنجم مهما علا في سماء العالمية، مصيره أن يضع رأسه على الوسادة، ويتحسر ويبكي مثل الأطفال، خاصة عندما يتعلق الأمر بإهدار حلم في حجم المونديال.