الملحق الثقافي

جوزيف مسعد: الديمقراطية الغربية بدعة استشراقية .. والخطاب الليبرالي العربي جاهل وساذج !

جوزيف مسعد

جوزيف مسعد

أحمد فرحات - بيروت (الاتحاد الثقافي)

«ما يسمى بالثقافة الديمقراطية التي يتغنّى بها أغلبية الليبراليين العرب، على أنها من سمات المجتمعات الغربية، ما هي إلّا بدعة استشراقية يعتنقونها، من دون الاستناد إلى أي تحليل لهذه المجتمعات، يحيد عن الإطار الدعائي». هذا ما يقوله د. جوزيف مسعد، أستاذ السياسة، والفكر العربي الحديث، في جامعة كولومبيا في نيويورك، الذي يرى، خصوصاً في كتابه الأخير: «الإسلام في الليبرالية»، أن مقولة نهاية الاستشراق، ما هي إلّا مضغة في أفواه الليبراليين العرب، أولئك الذين لا يعكسون جهلهم بالثقافة العربية نفسها فحسب، وإنما جهلهم أيضاً بالمجتمعات والثقافة والسياسة الغربية التي ينشدون محاكاتها. وأنهم، ويا للمفارقة، «هم أول من يروّج للاستشراق والمقولات الاستشراقية، ويحتكم إلى منظوراتها، ويكرّس سلطتها». ينتقد د. مسعد أطروحات صادق جلال العظم النقدية، فيراها ضحلة، مبنيّة على مغالطات مفاهيمية فجّة، كما يوصّف بالحرف الواحد، ويردف بأن ما يسميه العظم بـ«الاستغراب» كنقيض للاستشراق، هو مسألة غير موجودة أصلاً، حيث إن الاستشراق والاستغراب هما الخطاب الواحد المتكامل عينه. وكون د. جوزيف مسعد (فلسطيني يحمل الجنسيتين الأردنية والأميركية) يعيش ويعمل في الولايات المتحدة، تطرقنا معه في هذا الحوار إلى وضعية الإنتلجنسيا العربية هناك، وأدوارها على امتداد أجيالها منذ عقود طويلة، فرسم صورة واقعية ومفارقة أيضاً، للمفكرين والأكاديميين الأميركيين من أصول عربية سابقاً وراهناً، ورأى أن دورهم لا يكمن في تأسيس لوبي ضاغط على سياسة واشنطن في المنطقة العربية، وإنما يتمثل هذا الدور في نقد السياسة الأميركية وكل من يستجدي التعاطف معها. في ما يلي نص الحوار:

* لا يزال كتاب «الاستشراق» (1978) لإدوارد سعيد مثار اهتمامك الكبير ومرجعيّتك ربما في الردّ على صنوف أطروحات مستشرقي الخارج و«الداخل» حسبما تعبّر. لا بأس، أين أنت من القائلين إن الاستشراق انتهى منذ سنوات طويلة، على الأقل كوظيفة فكرية وكدور تاريخي وكحاجة سياسية ملحّة؟

** لا أتفق بالطبع مع هذه المقولة التي أصبحت مضغة في أفواه الليبراليين العرب الذين أثبت أعلامُهم وصِحافيوهم المرموقون، لا جهلهم في الثقافة العربية فحسب، بل جهلهم أيضاً في المجتمعات والثقافة والسياسة الغربية التي ينشدون محاكاتها، كما بيّنت في كتاباتي، لاسيما في كتابي الأخير«الإسلام في الليبرالية». إن استخدام الاستشراق كنظرية معرفية من قِبل مثقفي وساسة الإمبريالية الغربية، ولاسيما الليبراليين منهم (وإن كان استخدامهم له لا يزال انتقائياً) من البدهيات. فالاستشراق هو ما يغذّي الخطاب الغربي عن العرب والمسلمين واعتبارهم ذوي نزعات «استبدادية»، وأن ثقافتهم «غير ديمقراطية»، وأن رجالهم، ونساءهم أيضاً، يكنّون حقداً وكرهاً للنساء؛ وإنهم غير متسامحين مع «الآخر»... إلخ. وأغلب الليبراليين العرب، يشاركونهم هذه المفاهيم، ما يجعل هؤلاء الليبراليين أهم المروّجين للاستشراق بلسان عربي مبين.

والخطاب الليبرالي العربي يتغنّى بديمقراطية الغرب وعشقه للنسوية (والنساء) وتسامحه المزعوم وغيرها من هذه الترّهات، التي تنمّ عن جهل مقيم، وتصرّ عليه. فمثلاً، تقتصر الحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة على مشاركة أقل من 60 بالمئة من الذين يحقّ لهم التصويت (وحق التصويت يقتصر على من هم فوق الـ18 سنة من غير المحكوم عليهم بالسجن، أي 73 بالمئة من الشعب) بالمشاركة مرة كل أربع سنوات في طقس الانتخابات الرئاسية، ما يعني فعلياً أن أقل من 44 بالمئة من مجمل السكان تشارك في الانتخابات. ونتيجة التقارب بين الأصوات للمرشحيْن الرئيسيْن، من يُنتخب رئيسا للدولة، عادة ما يُنتخب بنسبة 51 بالمئة من الـ44 بالمئة من الذين شاركوا في الانتخابات، ما يعني أن 22.4 بالمئة من السكان المواطنين، هم من قاموا بانتخاب الرئيس كحد أقصى (ما بين خمس وربع السكان). بالطبع الرئيس الذي يُنتخب، دائماً وأبداً، لا يكون قائداً شعبياً أو جماهيرياً معروفاً، بل سياسياً مدعوماً ومُسوَّقاً له من قبل الشركات الأميركية الكبرى التي تملك وسائل الإعلام في البلد ولوبياتها.

على أي حال، تقتصر الحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة على ممارسة هذا الطقس «الديمقراطي» مرة كل أربع سنوات (نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية أقل بكثير من المشاركة في الانتخابات الرئاسية).

فيما عدا ذلك، تقوم الحياة والثقافة الأميركية (والأوروبية أيضاً) على المبدأ العسكري التراتبي في ممارساتها اليومية، التي لا تشوبها أي «شائبة ديمقراطية»، حيث يعمل الناس في شركات ومؤسسات تحتكم إلى منظومة إطاعة أوامر من هم أعلى منهم رتبة، حسب المنظومة الهرمية، من دون إبداء الرأي أو المعارضة للأوامر الصادرة للعمال والموظفين؛ وهو ما ينطبق كذلك على طلبة المدارس والجامعات، الذين يخضعون لما تقرره لهم إدارة المدارس والجامعات، ولما يُطلب منهم من أساتذتهم. أما الحياة المنزلية، فيحتكم فيها الأطفال دون سن الثامنة عشرة إلى سلطة الأبوين (إن لم نقل الأب في معظم الأحيان).

خلاصة القول، إن الحياة الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية لا تحتكم إلى أي منظور ديمقراطي، بينما تقتصر الحياة السياسية على طقوس مسرحية تشارك فيها أقليّة من الشعب من دون أن تُحدِّد مسارها.

باختصار إذن، إن ما يسمى بالثقافة الديمقراطية التي يتغنّى بها الليبراليون العرب، على أنها من سمات المجتمعات الغربية، ما هي إلّا بدعة استشراقية يعتنقونها دون الاستناد إلى أي تحليل يحيد عن الإطار الدعائي.

وللمفارقة إذن، فإن معظم القائلين بأن الاستشراق قد انتهى وولّى عهده، هم أهم من يُروّج له وللمقولات الاستشراقية، وأكثر من يحتكم إلى منظور استشراقي يعتبر العرب والمسلمين استثناءً للقاعدة الغربية الديمقراطية زعماً.

نقد «إنتاج التراث»

* يقال إن الحوار، الفاعل والمتفاعل، مع العقل الغربي يمرّ من داخله، أي من خلال إنجازاته المعرفية وأدواته النقدية؛ وانطلاقاً من هذا الشأن الإبيستمولوجي، فإن كل تخلّف عن نقد التراث، تراثنا، وتفكيكه بأدوات عقلانية، سيقوّي في المقابل سلطة الاستشراق أكثر فأكثر. ماذا تقول؟

** أرى أن عملية إنتاج «التراث»، كمفهوم حداثي اخترعه مثقفون عرب حداثيون في أواخر القرن التاسع عشر، هي ما تحتاج إلى مساءلة ونقد، لا «التراث» بحد ذاته. لكن على أي حال، فقد انبرى آلاف المفكرين العرب منذ عصر «النهضة» حتى يومنا هذا، لنقد ما أنتجوه من «تراث»، مستخدمين مختلف الأدوات النقدية الغربية، ولم يؤدِّ ذلك في أغلبيته إلّا إلى تعزيز المنظومة الاستشراقية لدى المستشرقين الغربيين، واعتناق إبيستمولوجيا الاستشراق من قبل عدد هائل من المفكرين العرب، كما بيّنت في كتابي «اشتهاء العرب» الصادر في العام 2007.

* وأي عقل نقدي عربي تراه مؤهّلاً لنقض وتفكيك أوهام ما تبقى من مستشرقين، مثل برنارد لويس، داعية الصدام الحضاري، ومحطّم حضارة الآخرين، لا سيما العرب والمسلمين، حيث لا يرى فيهم إلّا «أجلافاً وعنيفين بالفطرة، لا تنفع معهم، لا حداثة ولا أي خطاب تحديثي»، والأنكى أن ذلك كلّه يمرّره تحت غطاء أكاديمي يزعم الجدّية العلمية والموضوعية؟!

- ردّ كثير من العرب وغير العرب على مقولات الاستشراق والمستشرقين، من أمثال الصهيوني البريطاني الأصل والأميركي الجنسية، برنارد لويس، الفاقد للشرعية في الأوساط الأكاديمية اليسارية، وهي أوساط الأقلية المتمركزة في العلوم الإنسانية من الأكاديمية الغربية، والمُمّتدح في الأوساط اليمينية في الأكاديمية الغربية (المتمركزة في العلوم الاجتماعية، ولاسيما العلوم السياسية) وفي الأوساط السياسية الأميركية، اليمينية واليسارية منها.

ما يحتاج إليه نقد الاستشراق، هو منهج نقدي لا يغفل عن أن الاستشراق هو الاستغراب؛ والأخير، كما بيّنت في دراسة موجزة، بخلاف طرح المستشرق العربي صادق جلال العظم، هو تمجيد الغرب وتصويره ميثولوجياً، من قِبل الغربيين وغير الغربيين، على أنه حيّز وزمن الديمقراطية والحداثة والتقدم.

** ما دمت أتيت على ذكر صادق جلال العظم، ماذا تقول في نقده لكتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، الذي أصدره، كما تعلم منذ سنوات طويلة، في كتيّب بعنوان: «في الاستشراق والاستشراق معكوساً؟».. بعض المفكرين العرب، فسّر مضمون مؤلّف العظم هذا بأنه اتهام صريح لسعيد «بالعمالة للغرب»؟

- نقد صادق جلال العظم مبني على مغالطة مفاهيمية ليبرالية فجّة تقوم على مساواة ما هو غير متساوٍ. حجّة إدوارد سعيد عن الاستشراق، ليست مبنية على نقد عنصرية وجوهرانية الاستشراق (وهي مظاهر يُبيّنها سعيد بجلاء في كتابه)، بل على ارتباط هذا الخطاب بمؤسسات السلطة الإمبريالية الاقتصادية والعسكرية كذراع معرفية لها يستنبط أنطولوجيا الغرب والشرق لتبرير وشرعنة المشروع الاستعماري، ويكرّس الاستغراب كإيبستمولوجيا اختلاف الغرب، وسموّه وتفوّقه عرقياً وثقافياً ودينياً، على بقية ديموغرافيا الكرة الأرضية وجغرافيتها. ما يغفله نقد العظم الضحل، هو أن ما يسميه بـ«الاستغراب» كنقيض للاستشراق غير موجود أصلاً، حيث إن الاستشراق والاستغراب، هما الخطاب المتكامل ذاته.

ما يريد العظم تسويقه، هو أن النظرة التعميمية والنمطية عن الغرب، التي يعتنقها عرب ومسلمون، ومنهم إدوارد سعيد، وفق زعم العظم، هي مرادفة للاستشراق، دون الالتفات إلى أن هذه النظرة ليست خطاباً سلطوياً وذراعاً لمؤسسات اقتصادية وعسكرية عربية أو إسلامية تستعمر، أو تصبو لاستعمار، الغرب.

وهنالك الحجة الضحلة الأخرى القائلة إن سعيد يجوهر الغرب بطرحه فكرة موقف ما أصبح غرباً ضد الشرق على أنها أزلية، بدأت منذ عصر الإغريق القدامى حتى يومنا هذا؛ في حين أن ما طرحه سعيد، هو أن الخطاب الاستشراقي، هو خطاب حداثي قام بخلق الغرب والشرق، وبأن مشروع النهضة الأوروبي، ومن بعده مشروع التنوير، قاما بخطف الإغريق من محيطهم وإدخالهم واستدخالهم في أوروبا المخترعة حديثاً، مستخدمين منظور الإغريق عن الفرس كدليل مادي يقدّمه خطاب الاستشراق على أنه يثبت جوهرانية وأزلية الاختلاف بين شرق وغرب جوهرييْن عابِرَيْن للتاريخ. يقوم بعض تلاميذ العظم من مدّعي «الماركسية»، مثل جيلبير أشقر، بترديد هذه المقولات الضحلة، التي ردّ عليها سعيد بحزم، وكأنها كنز وسيف نظري يحاربون به سعيد، ومن لفّ لفّه من العرب والمسلمين دون الالتفات لسوء فهمهم المتعنّت لكتاب سعيد.

ويقوم العظم بمساواة المستعمِر بالمستعمَر وكأن السلطة، كمفهوم وكحقيقة قائمة، ليست أكثر من طارئة على الموضوع ولا تقع في صلبه. النقد الصائب الوحيد في أطروحة العظم، هو نقده لنصيحة سعيد للولايات المتحدة بعدم اتباع المنظومة الاستشراقية في سياستها الخارجية مع العالم العربي والإسلامي، والذي أورده سعيد في خلاصة كتابه، الذي أخذه عليه العظم على أنه نصيحة يقدمها سعيد للإمبريالية الأميركية لتفادي المطبّات التي وقعت فيها السياسة الأوروبية في السابق نتيجة اعتمادها على المنظومة الاستشراقية. لا شك في أن ملاحظة سعيد الليبرلية في آخر كتابه، لم تكن موفّقة وإن قصد فيها محاربة الخطاب الاستشراقي في أوساط صنّاع القرار الأميركي. أما أن يفسر العظم ذلك على أنه عمالة للغرب، فهو ضرب من التشهير. وللمفارقة المخجلة أن يُقدّم هذه التهمة مستشرقٌ من خانة صادق العظم، الذي نظّر في كتابه سيّئ الذكر «النقد الذاتي بعد الهزيمة» أن ثقافة العرب ومعتقداتهم الدينية، هي المسؤولة عن هزيمة العام 1967، الذي يحاضر اليوم دون كلل في المنابر الأميركية المحسوبة على الصهيونية، مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط.

عودة الخطاب الليبرالي

* في تاريخ متابعة الخطاب العربي الاستراتيجي المعاصر، نلحظ أن الخطاب الليبرالي قام كردّ فعل على الخطاب السلطاني الاستبدادي في مطلع القرن العشرين، ثم قام الخطاب القومي كردّ فعل على الخطاب الليبرالي، ثم بدوره حلّ الخطاب الديني محلّ تراجع الخطاب القومي، ثم ها هو الخطاب الليبرالي يعود، من جديد، ليشكّل ردّ فعل على الخطاب الديني.. وهكذا دواليك.. ما تعليقك؟

** لم يأتِ، لا الخطاب القومي ولا الخطاب الليبرالي من فراغ، بل كان من ورائهما تحريض ودعم وتمويل غربي منذ القرن التاسع عشر. فالخطاب العروبي كان مدعوماً من أوروبا لإضعاف الدولة العثمانية واختزالها أخيراً في العنصر التركي المسلم، بعدما تمّ إخراج معظم المسيحيين منها، عبر دعم القوميات اليونانية والبلغارية والأرمنية (والأرمن هم من دفع الثمن الأبهظ على هذا التحريض الأوروبي) ومن ثمّ تغذية القومية العربية المتصالحة مع الأوروبيين، سياسةً وثقافةً، لإخراج العرب من كنف العثمانيين. بالطبع أسهمت النزعة الطورانية والشوفينية التركية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أيضاً، في تغذية هذا الخطاب العروبي الذي أسّس لمفهومي «الحضارة» و«الثقافة» العربيتين، إن لم نقل لمفهوم الأمة العربية.

وهو ما ينطبق أيضاً على قضية بروز الخطاب الليبرالي المتصالح مع الحداثة الأوروبية، إن لم نقل مع الاستعمار الأوروبي، من محمد عبده إلى قاسم أمين إلى عبد الرحمن الكواكبي، ومن بعدهم، علي عبد الرازق وطه حسين وآرائهم في شأن الخلافة والديمقراطية ووضع المرأة... إلخ.

أما الخطاب القومي اليساري الذي تبلّور في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، فقد كان مستمداً من هذين الخطابين بكل الأحوال، وإن رفَضَ العروبة اليمينية السابقة عليه والمتحالفة مع الاستعمار الأوروبي، وجذّر مفهوم الحرية، الذي اتكأت عليه المنظومة الليبرالية منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلى الاستقلال والتحرر السياسي والاقتصادي من الاستعمار.

وهذا هو الحال أيضاً مع خطاب الإسلام السياسي الذي يعتنق الفكرة القومية والقطرية للهوية، وإن أطّرها بشكل أوسع في إطار ديني وثقافي إسلامي حديث الصنع، كما تبنّى الفكرة الليبرالية للديمقراطية وصبغها بالممارسات «الإسلامية» للحكم. وقد كانت القوى الغربية المعادية للشيوعية أول من التفت إلى الحركات الإسلامية منذ الثلاثينيات من القرن الفائت، حيث كان النازيون أول من دعم خطاب وممارسات «جهادية» ضد ستالين، عبر تجنيدهم مسلمي الاتحاد السوفييتي ومسلمي شرق أوروبا لهذه المهمة التي باءت بالفشل. وقد قامت الولايات المتحدة بدعم «الحركات الجهادية»، مستقدمة الخبراء النازيين بعد الحرب العالمية الثانية إلى ديارها للإشراف على هذا المشروع لدحر الشيوعية العالمية. كما قامت الولايات المتحدة مباشرة، ومن ثمّ عبر شبكة واسعة بتمويل «جهاديي» إندونيسيا في أوائل الخمسينيات، وصولاّ إلى حقبة الستينيات ضد حكم الرئيس سوكارنو، ومن ثمّ انتقل هذا التمويل والدعم إلى أفغانستان في أواخر السبعينيات؛ عدا عن استثمارها منذ الأربعينيات في اليمين الإسلامي، الجهادي وغير الجهادي، في المنطقة العربية ضد اليسار العروبي والقومي واليسار الاشتراكي.

أما الخطاب الليبرالي المعاصر فيفتقر، شأنه شأن سابقه، إلى أي إبداع في أفكاره ويتكئ على المنظومة الليبرالية الغربية بسذاجة فائقة. فإذا كان الكواكبي وقاسم أمين وطه حسين وعلي عبد الرازق وغيرهم، قد اعتمدوا على دراسات استشراقية سابقة ومفاهيم ليبرالية سائدة في كتبهم المعروفة، فإن اعتماد ليبراليي الحاضر ينصبّ على أدبيّات المنظمات غير الحكومية وخطاب حقوق الإنسان الغربي الليبرالي المهترئ، الذي هو جزء من الاستراتيجية الغربية منذ انتهاء العالمية الثانية. فبالإضافة إلى المثقفين والصحافيين، يُموّل الغربُ اليوم المنظمات غير الحكومية «العلمانية»، التي انتشرت وتنتشر كالطاعون في المجتمعات العربية (وغيرها من المجتمعات) والتي تضع أجنداتها مؤسساتٌ خاصة وحكومات غربية للترويج للخطاب الليبرالي الغربي مقابل مبالغ مالية طائلة، لا يمكن مقارنتها إلّا بالتمويل الذي تلقّاه ويتلقاه «الجهاديون» في السابق والحاضر.

وتقوم هذه المنظمات بإنتاج أشباه المثقفين الذين يدّعون الفكر، ويقدّمون أنفسهم على أنهم «نشطاء سياسيون»، بينما هم في الواقع موظفون منتفعون يتقاضون رواتب تفوق أعلى رواتب يتقاضاها موظفون في شركات ومؤسسات محلية. وبعض هؤلاء من المدافعين عن «حقوق الإنسان»، لاسيما في مصر، وفي أقطار عربية أخرى، يكنّون كرهاً خصوصياً للشعب الفلسطيني، ويحاولون التستّر على طائفيتهم ضد المسيحيين الفلسطينيين - ولاسيما إدوارد سعيد ووائل حلاّق وأنا - الذين يستهدفونهم باستمرار، دون سائر الأكاديميين العرب في الولايات المتحدة، بذريعة أننا من نقاد الليبرالية، وأن الكثير من الإسلاميين من قرّائنا. في الواقع، فإن الكثير من قرائنا ينتمون، بالإضافة إلى إسلاميين، إلى تيارات أخرى عديدة مناوئة للعنصرية والرأسمالية، بما فيها اليسار الراديكالي المعادي لليبرالية واستشراقها؛ لكنّ موظفي هذه المنظّمات، لا يُعيرون هؤلاء القراء الأخيرين اهتماماً، إلّا إذا كانوا من المسيحيين، كي يكفرونهم.

* كيف؟.. ماذا؟ ما معنى «إلّا إذا كانوا من المسيحيين» كما تقول؟

** نعم، لقد تحوّلت طائفية تلك الشلّة الليبرالية التي أتكلم عنها (ومعظم أعضائها من المسلمين العلمانيين، الذين يدّعون عشق المسيحيين العرب، واليهود أيضاً، فضلاً عن باقي الأقليات) إلى ما يشبه صرعة العصر؛ فهؤلاء، مثلاً، لا يعون أن عشق المسيحيين وكراهيتهم ينهلان من معين الطائفية ذاته، كونهما مبنيين على تشييء المسيحيين وتمييزهم عن باقي الشعب كجماعة وكـ«أقلية»، وتنصيب المسلمين العلمانيين الليبراليين كـ«مدافعين» عن «الأخوة المسيحيين»، لا كمتضامنين معهم كمواطنين متساوين، على الأقل وفق منظورهم الليبرالي. ففي اعتقاد هؤلاء أن على كل المسيحيين العرب أن يتخذوا ذات الموقف العاشق للغرب الليبرالي وذات الموقف العدائي من كل الإسلاميين، الذي يتبنّاه الكثير من العلمانيين المسلمين، وإن اتخذ أيٌّ منهم موقفاً مخالفاً لما يتوقعه هؤلاء المسلمون العلمانيون منه، فيصبح خائناً لمسيحيته ولعلمانيتهم، أي أننا هنا، أمام عملية «تكفير علماني» للمسيحيين العرب، وموقف فوقي طائفي منهم. والطريف هنا، أن طائفية هذه الزمرة الساذجة، والتي «تكفّر» بعض المسيحيين الفلسطينيين بشكل فائق الخصوصية، تكشف عن أنيابها الطائفية تحت ذريعة الدفاع عن المسيحيين.

هكذا، باستثناء اليسار القومي والعروبي التحرّري والاشتراكي، الذي وقف موقفاً حازماً وثابتاً ضد الاستعمار والطائفية منذ الأربعينيات، وحتى هزيمة حرب 1967، ومن بعدها في السبعينيات، كان للدوائر الغربية الكبرى مصلحة في دعم وتمويل كل التيارات والخطابات السياسية والفئوية والطائفية الأخرى، التي سادت وتسود منطقتنا العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

النخب العربية في الولايات المتحدة

* كونك تعيش في الولايات المتحدة وتعمل فيها، إلى أي حدّ يمكننا الحديث عن وجود نخب عربية في الغرب الأميركي، تضطلع، فعلاً لا قولاً، بأدوارها التاريخية تجاه بلدانها الأم؟.. ثم لماذا برأيك لم تتشكّل حركة فكرية أو سوسيو/&rlm&rlm&rlm&rlm اقتصادية عربية ضاغطة في الولايات المتحدة، يضطلع بها، على الأقل، مفكّرون وسياسيون واقتصاديون وأكاديميون وفنانون عرب أميركيون، علماً أن تلك البلاد عرفت نخباً عربية ذكية، حيوية ومؤثرة؟

** دعني أبدأ القول بأني لا أعتقد أن دور الأكاديميين والمثقفين العرب، هو إقامة لوبي للضغط أو التأثير على سياسات الولايات المتحدة تجاه المنطقة، وهي دائماً وأبداً سياسات إمبريالية وعنصرية الدوافع. إن الدور الذي يجب أن يضطلع به المثقفون العرب في الولايات المتحدة، هو نقد السياسة الأميركية وكل من يستجدي تعاطفها معه. اعتقد إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد، في أواخر السبعينيات، بجدوى الاتصال بالبيت الأبيض لفتح قناة دبلوماسية مع منظمة التحرير، وفشِلا تماماً في تحقيق أهدافهما، وإن تأثرت سمعتهما اليسارية نتيجة لاتخاذهما خطوة ساذجة كهذه. لم يقدّر سعيد مخاطر هذه الحماقة السياسية إلّا في التسعينيات، بعد نجاح عملية احتواء منظمة التحرير أمريكياً.

سأتحدث هنا عن دور الأكاديميين، وهو ما أعرفه جيداً. لم يكن الأكاديميون العرب الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة في الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات من القرن الفائت دائماً من نقّاد سياسة الولايات المتحدة، بل على العكس، كان أغلبهم من مريدي ثقافتها. وقد أرّخ بعضهم لعلاقة العرب بأوروبا (مثل الفلسطيني إبراهيم أبو لغد) أو لموقف المفكرين العرب في عصر النهضة من الغرب (مثل الفلسطيني هشام شرابي)، وإن شعروا بجرح نرجسي نتيجة العداء الأميركي للفلسطينيين، وهو جرح استفحل بعد انتشار الكراهية للعرب وعشق يهود إسرائيل وصهيونيتهم في الثقافة الأميركية السائدة، ما دفع ببعضهم للدفاع عن العرب والفلسطينيين ولنقد أعدائهم. وهنا تألق إدوارد سعيد في مشروعه النقدي، الذي بدأ يفكر فيه بعد الهزيمة، كما حدّثنا في كتاباته. ولم يكن أحداً من هؤلاء قد كتب أو نشر أي دراسة أكاديمية عن الفلسطينيين قبل هزيمة 1967، على الرغم من أنهم كانوا ينشرون دراسات عن العرب في تلك الحقبة ومقالات صحفية يدافعون فيها عن الفلسطينيين (باستثناء سعيد الذي كان ينشر دراسات عن الأدب الإنجليزي والمقارن لا غير)، خصوصاً إبراهيم أبو لغد، الذي كان يحاضر دون كلل عن هذا الموضوع في الجامعات الأميركية. بالطبع، كان هنالك ناشطون عرب - أميركيون، مثل المحامي المثابر من أصل لبناني، عابدين جبارة والفلسطينيان سامي هدّاوي وفايز الصايغ، وكلهم دافعوا عن حقوق الفلسطينيين بشراسة قبل 1967 أيضاً. كما نشر المفكر الفلسطيني وليد الخالدي دراسات مهمة قبل وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات (كما سعى مثل سعيد وأبو لغد لتقارب بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير). وقد انضم إلى هؤلاء في السبعينيات أكاديميون فلسطينيون وعرب نشروا كتباً وأبحاثاً عن فلسطين والفلسطينيين، ناهيك عن بقية القضايا العربية.

وقد انبرى بعض الماركسيين، من المسيحيين واليهود الأميركيين البيض، لنقد الإمبريالية الأميركية في الشرق الأوسط عبر مجلة جديدة بدأوا بنشرها في أوائل السبعينيات أطلقوا عليها إسم:Middle East Research and Information Project (MERIP)

وقدّمت (MERIP) ولسنوات طويلة، مقالات ودراسات غاية في الأهمية وعمق التحليل عن السياسات الإمبريالية في المنطقة. أما الأميركيون من أصل عربي، فأسّسوا «رابطة الخريجين الجامعيين الأميركيين من أصول عربية»، وبدأوا بإصدار مجلة أكاديمية في أواخر السبعينيات لنشر دراسات الباحثين العرب عن العالم العربي. ولقد نُشرت فيها أبحاثاً ممتازة على مرّ سنوات صدورها. كانت هذه الفترة هي الأنجح على مستوى تنظيم نتاجات النخب العربية؛ لكنها بدأت تتفكّك بظهور عناصر من أمثال اللبناني فؤاد عجمي، الذي برز صهيونياً وإمبريالياً على الساحة في الثمانينيات، وطرح نفسه على أنه من أتباع برنارد لويس (لحق به فيما بعد العراقي كنعان مكيّة في أوائل التسعينيات، وإن افتقد الأخير لأي موهبة، ما عدا الدعاية السياسية الفجّة لقصف العراق دون هوادة منذ عام 1991 وحتى سقوط بغداد). وجاء ذلك نتيجة تقسيم العرب بعد كامب ديفيد إلى العربي الصالح (وهو كل من أيّد السياسات الغربية) والعربي الطالح (وهو كل من ناهضها). بالطبع قام الليبراليون الصهاينة واليمين الإمبريالي بمحاربة أي أكاديمي عربي ينقد الصهيونية والإمبريالية بشراسة، ولم يكن الإعلام الليبرالي يسمح بنشر هذا النقد في حينه، إلّا نادراً. أما الأكاديميون البيض من ليبراليين ومحافظين فاستمروا بمناهجهم الاستشراقية دونما توقف.

* ماذا عن مجلةMERIP ؟ ولماذا وقفت ضد إدوارد سعيد ضمناً، كما عرفنا من بعض أعداد لها وقعت بين أيدينا؟

** من الواضح أن القائمين على مجلة MERIP، شعروا بتهديد من شخصية كإدوارد سعيد، كونها لم تنضو تحت رايتهم، بل كان لها حضورها الأكاديمي والمؤسّساتي المستقل، وبدأوا يهاجمونه بشكل ناعم ومبهم. ولأن سعيد، وإن كان يسارياً غرامشياً، فقد حافظ على مسافة مع تيار الماركسية الأرثوذكسية. استهلّ هؤلاء هجومهم على إدوارد بنشر عرضٍ مفصّلٍ لكتابه الشهير حول «المسألة الفلسطينية»؛ وقد جاء نقدهم للكتاب من منظور ماركسي ذكي، حيث جنّدوا (ومحررو المجلة هؤلاء هم من العنصريين البيض) طالب دراسات عليا فلسطينياً مغموراً لكتابة العرض، كي لا توجّه إليهم تهمة العنصرية، وإن كانت بصمات هؤلاء المحررين واضحة كل الوضوح في العرض. لكن، وبمرور الوقت، بدأ يتجلّى موقفهم العنصري من أي أكاديمي عربي ينجح في الأكاديمية الغربية، من دون المرور عبرهم. وكمعظم اليسار الغربي، فللقائمين على المجلة مواقف مبدئية ضدّ الإمبريالية. أما الأكاديميون اليهود بينهم (مثل زاكاري لوكمان وجول بينين)، فهم على الرغم من مواقفهم المناوئة للإمبريالية، متعاطفون مع المشروع الصهيوني، وإن كانوا من نقّاد السياسة الإسرائيلية (بخاصة «بينين» الذي ينتقد إسرائيل دون هوادة، بخلاف «لوكمان» الذي يعارض حملة المقاطعة)، ويستخدمون ماركسيتهم ليستّروا بها صهيونيتهم وعنصريتهم تجاه الأكاديميين العرب، مثلما يستخدم المسيحيون من بينهم ماركسيتهم، بدورهم، لستر عنصريتهم تجاه الأكاديميين العرب أيضاً.

على أي حال، بعدما حاز معظم أعضاء الشلّة مراكز جامعية مرموقة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بدأوا ببناء إمبراطورية من الأكاديميين، ضمّوا إليها جيلاً جديداً من أنصاف العرب (مولودون لأمهات أمريكيات بيض وآباء عرب) والعرب - الأميركيين الذين ولدوا في الولايات المتحدة لأبوين عربيين، وخريجين عرب (وإيرانيين) ليبراليين وصلوا لتوّهم من العالم العربي (أو إيران) للدراسة في الولايات المتحدة. والأخيرون، على النقيض من سابقيهم، يشاركون الغرب عشقه لكل ما هو غربي لأنه غربي، وازدراءه لكل ما هو غير غربي، لأنه غير غربي. ما أراده هؤلاء من بناء هذه الإمبراطورية، هو كسر شوكة إدوارد سعيد وأي أكاديمي عربي تسوّل له نفسه عدم الانضواء تحت رايتهم.

بالإضافة إلى سعيد، انبرت هذه الشلّة لنقد الأكاديمي السعودي المعروف طلال أسد، وتهميش الإنجازات المهمة للأكاديمية الجزائرية المعروفة مغنية لزرق، والأكاديمية المصرية المعروفة ليلى أحمد لمصلحة أكاديمية ليبرالية أمريكية نصف عربية منضوية تحت رايتهم. ولأن إيلا حبيبة شوحط، التي تدرِّس في جامعة نيويورك، تنتمي إلى مدرسة إدوارد سعيد في التحليل والمنهج وترفض الانضمام إلى شلّة MERIP، يقوم المناوئون هؤلاء بمحاربتها وتهميشها أيضاً.

جُنّد أنصاف العرب والعرب الأميركيون من الليبراليين لهذه المهمة (وفي حالة شوحط، جُنّد يهود شرقيون أمريكيون وإسرائيليون ليبراليون للغرض نفسه)، بينما قام بعض الليبراليين الذين جاؤوا من العالم العربي (وإيران) بالتهجّم على الأكاديميين العرب في العالم العربي الذين يرفضون الانصياع لمنهجية شلّة MERIP. وعادة ما تستخدم هذه الاستراتيجية من قبل العنصريين البيض، من ليبراليين ومحافظين، الذين يجنِّدون شخصيات متواطئة من السود للتهجّم على السود من مناهضي العنصرية. وتدير هذه الشلّة الأميركية البيضاء هذه الحملة الفوقية والعنصرية عبر أتباعها من العرب والعرب - الأميركيين الليبراليين، وتُقدّم نفسها على أنها يسارية (وهو ما كان ينطبق على مؤسّسيها في السبعينيات بحق)، بينما أصبح أغلب أعضائها اليوم ثقافوي التحليل وليبراليي الهوى، وهو ما ينطبق، حتى على مؤسّسها الأهم: جو ستورك، الذي تخلّى عن ماركسيته السابقة وأصبح داعية ليبرالي لحقوق الإنسان في أهم مؤسسة أمريكية إمبريالية تتبنّى هذا المشروع: «منظمة مراقبة حقوق الإنسان» (والتي، لسبب أو لآخر، لا يُترجم اسمها إلى العربية، بل تسمّى «هيومان رايتس ووتش»). وهكذا نرى كيف أن الفارق الجيلي والسياسي والانتماءات الإيديولوجية، لعبت دوراً مهماً في تقسيم الأكاديميين العرب في الولايات المتحدة، بين اليمينيين المؤيدين للإمبريالية والعنصرية والاستشراق، واليساريين المعادين للاستشراق والإمبريالية والفوقية البيضاء والعنصرية، وبين الليبراليين من المروجين للحقوق الليبرالية وأجنداتها وغير العابئين، إن لم نقل المتواطئين، مع عنصرية وفوقية اليسار الأبيض.

بعد 11 أيلول/&rlm&rlm&rlm&rlm سبتمبر واجتياح العراق، لم يشتدّ العداء في الغرب لـ«الإسلام الجهادي» فحسب، بل تمّ اختزال «الإسلام الجهادي» في الإسلام السياسي بكل أطيافه، واختُزِل الإسلام ككل في الاثنين. كان إدوارد سعيد قد هاجم الأكاديميين الغربيين والإعلام الغربي لخلطهم الإسلام السياسي بالإسلام، في سياق عدائهم للإيرانيين (وإن كان سعيد نفسه قد قام بنقد الإسلام السياسي من منظور ليبرالي اختزالي في بعض مقالاته الصحافية)، ومن ثمّ جاء طلال أسد ووائل حلاّق ينتقدان النظرة الاستشراقية والمسيحوية البروتستانتية للإسلام وللإسلاميين ولتاريخ الفقه ككل، وتحليلهم للمسيحية البروتستانتية ولليبرالية الغربية، ولاسيما مفهومها لحقوق الإنسان (وهو ما قمت به أيضاً في كتابيّ الأخيرين)، ما أثار زوبعة عند مدّعي اليسار الأكاديمي من الشلّة آنفة الذكر. في بعض الأحيان، يتبنّى أعضاء الشلّة المواقف النقدية التي قمنا بتقديمها في كتاباتنا جزئياً (حيث إنهم يكتشفون أن لا مهرب من تبنّيها) وكأنها كانت دائماً مواقفهم هم، ومن ثم يعترضون على مواقف أخرى تهدّد مشاريعهم وسلطتهم.

بالطبع، لا يعني هذا أنّ أياً من هؤلاء الأكاديميين العرب، وأنا منهم، لا يستحق النقد، بل إن الموضوع، هو أن النقد الذي تقدمه هذه الشلّة، عادة ما يكون سطحياً وضحلاً، وأنها تقوم بنقدنا، لأننا نرفض الانضواء تحت مظلّة الأكاديميين البيض العنصريين واليساريي الزعم، ولاسيما في عدائهم واختزالهم لكل ما هو إسلامي، وإن تظاهروا بالتمييز ما بين الإسلام والإسلام السياسي، وفي موقفهم الفوقي المؤيد للمشروع الحقوقي الليبرالي الإمبريالي. الموضوع ليس مؤامرة، بل ينبع من خلاف واختلاف في المناهج الأكاديمية والمبادئ السياسية والمصالح والطموحات المؤسّساتية والشللية والتنافس في السلطة المعرفية والأكاديمية، تستوطن العنصرية في داخلها وتخترق كل مساماتها.