تقارير

بايدن.. جنس معرَّض للانقراض!


ألقى نائب الرئيس السابق جو بايدن العام الماضي في دافوس خطبة ثاقبة البصيرة وقوية ذكَّرت الزعماء ورؤساء مجالس الإدارات الحاضرين بمسؤولياتهم تجاه فقراء العالم. وفي ختام الكلمة، قفزت شريكتي «كارلا» لتصفق له واقفة. ووقفتُ أنا بجانبها، وبعد أن نظرتُ حولي في القاعة أدركت أننا الوحيدان الواقفان. وفي هذا العام في أثناء التقديم لخطبة الوداع لجو بايدن باعتباره نائباً لرئيس للولايات المتحدة، وقف نصف الجمهور وكان التصفيق مدوياً. لقد طغى إحساس بأن الجمهور سيفتقد المتحدث المتحمس ذا الكلام البسيط والواضح. ومَن شاهد بايدن وهو يلقي الكلمة لَربما لاحظ أيضاً أنه هو نفسه سيفتقد جمهوراً مثل هذا.


لقد كانت أفكار بايدن مستبصرة وحصيفة. ولكن خلف عينيه كان هناك أسى لا يمكن إنكاره. فهذا الرجل أكبر بكثير من مجرد سياسي. فعلى مدار سنوات عمله العام، لم يكافح هذا الموظف العام المتفاني في عمله منذ أن كان شاباً في مجلس الشيوخ ليصعد إلى أعلى مستوى في الحكومة من أجل العدالة الاجتماعية فقط، ولا من أجل «القاعدة الشعبية» في بلاده كما قد يفعل كثير من السياسيين فحسب، بل كافح أيضاً من أجل المجتمع الدولي برمته.

لقد كانت خطبته انتقاداً شديداً لرجل لم يُذكر اسمه قط هو الرئيس الجديد للولايات المتحدة. فقد تناول بايدن القضايا الحيوية للنظام الدولي والأمن العالمي الواحدة تلو الأخرى. فعلل أسباب ضرورة ظهور النظام الليبرالي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، والخدمة التي قدمها للعالم في ذلك الوقت. وتحدث أيضاً عن مزايا التجارة رغم اعترافه بضرورة بذل مزيد من الجهود بشكل عاجل لمساعدة من أطاحت بهم العولمة والتقدم التكنولوجي من مواقعهم.

وتحدث بايدن عن أهمية أوروبا والنظام متعدد الأطراف، وعن حلف شمال الأطلسي «الناتو». ودافع بحماس حقيقي أيضاً عن مبدأ كون الهجوم على بلد في التحالف هو هجوم على الجميع باعتباره «التزاماً مقدساً». ثم انتقل إلى التهديدات والإرهاب وأعداء الديمقراطية والنظام الدولي. ولكنه خص روسيا تحديداً بأقسى كلماته واصفاً إياها بأنها قوة رائدة في السعي لتقويض الديمقراطية والقانون الدولي. وأوضح أن تدخل الروس في الانتخابات الأميركية حقيقة واقعة، ودافع عن العاملين في الاستخبارات الأميركية، وأكد أن مثل هذا التدخل لا يمكن التغاضي عنه. وبعبارة أخرى، لم يرد اسم دونالد ترامب قط في كلام بايدن الذي عبر عن احترام شديد للانتقال السلمي للسلطة الذي يمثل معلماً من معالم الديمقراطية الأميركية لأكثر من قرنين. ولكن قوة وثقل خطبة بايدن استهدفا مباشرة الرئيس الأميركي الجديد. وقد كان من الواضح أن بايدن رأى في ترامب تهديداً شديداً لكل ما آمن هو به طيلة مشواره المهني.


ولم يكن بايدن هو الشخص الوحيد الذي يشعر بالأسى في قاعة الاجتماع. فقد كان من الواضح من الاستقبال الذي حظي به أن كثيراً من الحضور كان ينتابهم الأسى لأن ظروفاً مأساوية -مثل موت ابنه- قد تآمرت لتمنعه من خوض السباق على الرئاسة. فقد كان من المرجح أن يفوز بالرئاسة الأميركية، إذا أخذنا في الاعتبار الفارق الضئيل الذي فاز به ترامب في الانتخابات، وأن بايدن لم تكن تُمسك بتلابيبه فضيحة بريد إلكتروني، مثلما كان الحال مع هيلاري كلينتون. مع الأخذ في الاعتبار أنه كان أكثر الزعماء على المسرح القومي الأميركي قرباً من غالبية الطبقة الأميركية العاملة القلقة. ولو كان فاز، لجاء خطابه ذاك شيئاً مختلفاً كلية. وربما لاختلف مستقبل أميركا والعالم تماماً.

وبينما يغادر بايدن مسرح الأحداث، وميراث عمل حياته بكامله في خطر، لم يترك لنا غير كلماته الحكيمة والأمل في أن يظهر في مكان ما آخرون من أمثاله. إننا نحتاج إلى هذه النوعية من الرجال في السياسة الأميركية لأن أمثال بايدن يَبدون كما لو كانوا من الأجناس المعرضة للانقراض.

* رئيس تحرير «فورين بوليسي»

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»