ثقافة

«الإشارة».. معزوفة عالمية بلغة الجسد!

الإشارة.. الإدراك الواعي للمعنى (أرشيفية)

الإشارة.. الإدراك الواعي للمعنى (أرشيفية)

نوف الموسى (دبي)

المثقف في العالم أجمع، مَأْسور بـ «اللغة»، تلك الأحرف المنطوقة لتعبر عن الحياة، بكل تعقيداتها الجمالية، ورغم اختلاف وجدل اللغويين حول متاهات وأبعاد الكلمة القابلة للتأويل، إلا أن المسألة تظل مرتبطة بالقدرة الحدسية للإنسان على «الإدراك الواعي للمعنى»، الذي يتجلى في لغة «الإشارة»، ذلك التواصل البديهي، غير المحكوم بكلمة منطوقة، بل ببانوراما من عالمية التفاعل الجسدي، وموسيقى اليقظة اللحظية، لحركة اليدين وتعابير الوجه وهمس الشفاه واستنطاق الجسد.
والسؤال الفعلي هنا: إلى أي حد تشكل «الإشارة»، اهتماماً معرفياً وثقافيا، من قبل المثقفين في الإمارات، سعياً منهم لإثراء الذائقة الأدبية والفنية لأصحاب الهمم، كيف يفسرون لغة الإشارة في محاكاتهم اليومية للحياة الفكرية، وكيف في إمكانهم تأسيس «بيئة الدمج» من منظور حقوقي، بحسب ما تضمنته السياسة الوطنية لتمكين أصحاب الهمم، الصادرة أخيراً؟ وهل يمكن أن تتحول «الإشارة» إلى لغة إبداعية مُنتجة، أمام تحديات تطرحها إشكالية التنسيق بين الجهات المختصة؟، وماذا عن أهمية دراسة أبعاد تسهيل أوجه البيئات الثقافية لفئة أصحاب الهمم، كتوفير منصات للإنتاج الثقافي من مثل «المسارح» و«المعارض الفنية» و«الترجمة السمعية الوصفية» في دور السينما، والاهتمام بأقسام المكتبات العامة والخاصة بخانة تعتني بـ الاحتياجات الفيزيائية المتعددة، خاصةً بعد توقيع دولة الإمارات اتفاقية دولية، هي معاهدة مراكش لإتاحة المطبوعات للأشخاص المكفوفين، التي تقتضي تسهيل وصول المكفوفين وذوي الإعاقة البصرية إلى الكتاب على المستوى العالمي، وفق اعتماد من أعضاء في المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
تشهد المرحلة الحالية من عمر الثقافة في الإمارات تحولات جذرية، والسؤال عن الإنتاج الثقافي لأصحاب الهمم، إنما إعادة لاكتشافهم كمُنْتِجين للمعرفة سواء في الأدب أو الفن، لذلك تؤمن وفاء حمد بن سليمان، مدير إدارة رعاية وتأهيل أصحاب الهمم، في وزارة تنمية المجتمع، أن «السياسة الوطنية لتمكين أصحاب الهمم، ستنقلنا إلى مرحلة ذات منهجية واضحة في صياغة الإجراءات الموحدة، إلى جانب دعم السياسة للفعل التنسيقي بين الجهات المعنية والتقليل من أزمة ازدواجية الأدوار في القطاعات المستهدفة بفضاءاتها المحلية والاتحادية، متضمنةً محوراً استراتيجياً يناقش الحياة العامة والثقافة والرياضة»، وأكدت وفاء حمد بن سليمان أن المسألة الثقافية، مسؤولية مشتركة، فهم، في وزارة تنمية المجتمع، تبنوا قاعدة اكتشاف المواهب، بينما يأتي دور وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، في تعميق العلاقة الثقافية بين الموهبة من أصحاب الهمم والمجتمع الفني والأدبي، عبر تكوين النشاط الاحتفائي وتوفير الدعم اللوجستي، على مستوى تسهيل الوصول إلى الأمكنة الثقافية لأصحاب الهمم، مع التأكيد المستمر لعملية الدمج المستدامة، والتي تم إنجاز جزء كبير منها بشكل فعلي على المستوى التعليمي.
وبخصوص ترجمة لغة الإشارة، تقول وفاء حمد بن سليمان، إن المترجم المختص يقوم بإيصال المعنى، والاجتهاد الأكبر موجه ناحية إيصال المعلومة، بخلاف الترجمة الحرفية للكلمة المنطوقة أو المكتوبة، مضيفةً أن لغة الإشارة في البلدان العربية ليست غزيرة، ولا تمثل انعكاساً حقيقياً لتعقيدات اللغة العربية المتعارف عليها، ومن هنا فإن إعداد قاموس إشاري إماراتي موحد، يوثق حوارات وطرق تواصل أصحاب الهمم في المجتمع المحلي، سيثري لغة الإشارة في العالم العربي. ولفتت إلى مسألة «المترجم المثقف»، ومدى الحاجة إلى أن يمتلك مترجم لغة الإشارة حساً ثقافياً وأدبياً وفنياً، ليستطيع الخوض في أحاديث تفتح مجالات أوسع نحو انضمام أصحاب الهمم إلى البعد الإنتاجي في شتى أنواع الأدب والفنون. وذكرت إحدى الأمسيات الشعرية التي شارك فيها مترجم للإشارة، تطوع لإيصال معاني القصيدة لأصحاب الهمم، ولقي صعوبة في ترجمتها بشكل أدبي وفني. وهو موقف يستدعي دعوة المثقفين الإماراتيين لتجربة تعلم لغة الإشارة، عبر ورش تعليمية للغة الإشارة الخاصة بالصم تقدمها وزارة تنمية المجتمع. وسيتضمن خلال الفترة المقبلة فتح باب التسجيل للدورات التدريبية متعددة المستويات.
أجابت وفاء حمد بن سليمان، حول رؤيتها للغة الإشارة كتواصل فكري، أن علينا في البداية توفير مصادر متعددة يتلقى من خلالها أصحاب الهمم المعلومة، فمثلاً لا يترجم في التلفزيونات المحلية إلا نشرات الأخبار، ولتعزيز المنهج الفكري نحتاج إلى ترجمة البرامج الثقافية والمعرفية والفنية، لتمكين أصحاب الهمم من فعل الإنتاج. وبالرجوع إلى المقدرة الإبداعية لدى أصحاب الهمم، أشارت وفاء حمد بن سليمان أن فنون الموهوبين من أصحاب الهمم يصنف بالفن الخاص، والخصوصية فيه تعتمد على طبيعة الإنتاج، فالكفيف لم ير البحر في حياته، ولكنه يرسمه من خياله، وينتج شيئاً متفرداً، علاوة على حاجة أصحاب الهمم لوقت طويل لإنجاز لوحة فنية مصنوعة من «فن الورق» الدقيق الذي يستثمر فيه الأصم قوة تركيزه البصري، إضافة إلى اكتشافهم لكّتاب من بينهم الكاتب عبدالله الصوري الذي أنجز كتابة رواية، وينشر مقالات في مجلة «عالمي» العلمية المتخصصة في عالم الإعاقة، والصادرة من الوزارة. وبالبحث في عالم المسرح، يُدرك المتابع كيف أن الإضاءة، على سبيل المثال، تمثل محركاً رئيساً، لإيقاع التمثيل لدى أصحاب الهمم من فئة الصم، حيث تستمتع بمشاهدة مسرحية صماء، تستشهد بالجسد في خلق صوتها الأخاذ. وألمحت، إلى النشاط المطبعي، الذي بدأ يهتم بالإنتاجات المتعلقة بأصحاب الهمم، وإنشاء المعاهد الخاصة لتعليم لغة الإشارة، وجميعها ناتجة عن الاهتمام المؤسساتي والحكومي في دولة الإمارات، في مجال استثمار طاقات أصحاب الهمم.