تقارير

الإعلام في عهد ترامب

قد لا يكون من المبالغة القول إن التاريخ البشري دخل مرحلة جديدة وغريبة بدأت يوم 20 يناير عندما أصبح دونالد ترامب هو أقوى رجل في العالم. وقد حدث هذا بالفعل بعد سقوط كل الرهانات على استحالة حدوثه. وبذلك أصبح أولئك الذين اعتادوا على تغطية وتحليل الأحداث التي يشهدها عالمنا المعاصر هم الأكثر شعوراً بالإرباك بسبب هذا الفشل. وقد لا يكون من العدل تجنب توجيه اللوم إلى ترامب بسبب موقفه المعلن من وسائل الإعلام الكبرى وتعبيره الواضح عن الاشمئزاز منها، ولكن لا مناص أيضاً من الاعتراف بالحقيقة التي تفيد بأنه وغيره من الناشطين على التدوين في مواقع التواصل الاجتماعي (بخاصة على موقع تويتر) قد قدموا نسخة أقرب تطابقاً مع الحقائق، بعد أن هبطت ثقة عامة الناس بجامعي الأخبار والمحللين إلى الحضيض.
ولا يمكننا أن نقصر تسير أسباب الفشل الذي يعتري الإعلام التقليدي على ما اعتاد ترامب أن يدوّنه عنه في تغريداته الكثيرة. ففي عام 2012 كتبت مقالاً ذكرت فيه أن التناقض قائم بين «السياسات التي يتبناها الديمقراطيون»، والتي تحترم آراء الأغلبية، وبين الضرورات التي تنطوي عليها الرأسمالية العالمية الموجهة أساساً نحو خلق وتعزيز الثروات الخاصة. وقلت أيضاً إن هذا التوجه الأخير لم يعد من الممكن احتماله. وأنا أعترف الآن بأنني كنت واحداً من بين المعلقين والمحللين الكثر الذين فشلوا في تقدير عمق وقوة الغضب الذي كان يستعر في نفوس فئات متزايدة من المجتمع بسبب ظاهرة عدم المساواة في المداخيل والفوز بفرص العمل والكسب.
وكان من الغريب أن ترى بعض الصحفيين والمحللين وهم ينكرون بكل بساطة أي وجود لهذا الغضب وما أدى إليه من تداعيات سياسية خطيرة. وكان الاقتصادي المرموق ألبرت هيرشمان سباقاً إلى اشتقاق مصطلح «الاقتصاد الأوحد» monoeconomic الذي ينتقد من خلاله الافتراض القائل بوجود طريقة واحدة لا غير أمام دول العالم للتطور. وعلى نحو مشابه، يمكن اعتبار معظم ما كتب حول السياسات والاقتصادات المعاصرة منذ نهاية الحرب الباردة على أنه يشكل «الصحافة المتوحدة» mono-journalism.
وكان انهيار الأنظمة الشيوعية قد دعّم القناعة التي كانت سائدة بأنه لا يوجد أمام العالم إلا خيار واحد هو التحول إلى النموذج الأوحد للحكومة الذي يعتمد نظام (الديمقراطية الليبرالية)، والنظام الاقتصادي الأوحد الذي يعتمد نظام (رأسمالية السوق الحرة).
وقد تبنّت الصحافة السائدة في الدول الرأسمالية هذا الاعتقاد بقوة، من دون بذل أي مجهود بحثي للتأكد مما إذا كان هناك تقاطع حقيقي بين الديمقراطية والرأسمالية، أو ما إذا كانت ظاهرة عدم المساواة التي خلقتها الرأسمالية يمكن أن تثير ردود أفعال عنيفة من الأغلبية الديمقراطية. وانتشرت الموجة الصادمة في الأسواق الحرة وكشفت عن بؤس وفقر لا حدود لهما في الكثير من الدول الديمقراطية في عقد التسعينيات. وقدمت أول انتخابات في روسيا مؤشرات مسبقة على ما كان متوقعاً حدوثه في ذلك الوقت عندما انتخب الروس رجلاً من وكالة المخابرات الروسية KGB السابقة ليكون منقذهم.
وفي ذلك الوقت، كان الصحفيون والسياسيون ينكرون التأثيرات السلبية للعولمة وحركية الوظائف ورؤوس الأموال. وأصبح المدير العام التنفيذي لأي شركة يمثل الشخصية الأكثر أهمية، وأما الفلاح أو عامل المناجم، فقد كتب عليه الاختفاء إلى غير رجعة.
واليوم، جاء ترامب ليسخر من «الصحافة المتوحدة» ويتهمها بالقصور الفكري وبآثارها السلبية الخطيرة على السياسة العامة. واتهم المتواطئين فيها بأنه لم يكن أمامهم من خيار آخر غير إعادة اجترار بعض القيم والأساليب العتيقة.
وبالطبع فإن الصحافة الضعيفة غالباً ما كانت تتخصص في تغطية الأحداث السياسية الصادمة مثل الثورة الشيوعية في الصين عام 1949 في زمنها. وهي التغطية التي وصفها المؤرخ اللامع «جون فيربانك» بأنها تنطوي على «فشل ذريع» في عالم الصحافة. وشجب «فيربانك» مواقف الصحفيين الأميركيين من دون أن ينسى نفسه، لأنهم كانوا يقومون بتغطية الأحداث من داخل الصين، وما سجلوه من فشل في اكتشاف وتقدير المكانة المرموقة التي كان يحظى بها قائد الثورة ماوتسي تونج، وراحوا يركزون جل اهتمامهم على منافسه الميّال للغرب تشيانج كاي شيك. واعترف «فيربانك» بأن «تقاريرنا الإخبارية كانت سطحية إلى أبعد الحدود. ولم نكن نمتلك المعارف حول الموضوع. وبمعنى آخر، لم تتوفر لنا السبل لتجميع أي معلومات حتى عن الحياة العادية للشعب الصيني».
وفي الوقت الراهن الذي نتوقع فيه حدوث مشاكل صحفية من الطراز الأول في عهد رئاسة ترامب، فإن من الحكمة البالغة الأخذ بتحذيرات «فيربانك». ونحن نرى كيف أن العديد من الصحفيين كانوا خلال السنوات الماضية شديدي الحماسة والرغبة في تحقيق النتائج السريعة والعوائد الكافية، ولكنهم باتوا اليوم موضعاً للسخرية على خلفية ظهور «تويتر» ومروجي الأخبار الكاذبة كمنافسين مؤثرين.
ولا يمكن للمرء إلا أن يأمل في أن تلتزم وسائل الإعلام بالمزيد من القدرة على حلحلة الغموض الذي يعتري العلاقات الإنسانية، وأن يعيروا اهتماماً أكبر للخاسرين بدلاً من قصر اهتمامهم على الرابحين وحدهم.

* روائي ومحلل سياسي هندي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»