دنيا

تأثير الموسيقى السحري على الإنسان يواصل تحيير العلماء

منذ أبقراط وأرسطو والفارابي، ظلت الموسيقى ذلك البلسم الذي يروي الروح وتطرب به النفس ويبهج له القلب. فالرنات العذبة والنغمات السامقة التي ابتكرها مبدعو الموسيقى ظلت على مر العصور معيناً أزلياً أبدياً يهوي إليه كل فؤاد مكلوم وتأوي إليه كل روح ظامئة أو نفس عليلة. وإذا كانت الموسيقى بشقيها الطبيعي والصناعي قد أحالت الغالبية العظمى من مستمعيها العابرين إلى مدمنين دائمين، فإن السؤال الذي يحير الباحثين المعاصرين الذين تخصصوا في الموسيقى باعتباره فناً وعلماً هو كيفية عمل أدمغة المبدعين خلال ابتكارهم لتلك المقطوعات والمعزوفات، وهذا السؤال عينه هو الذي دفع عالم الأعصاب والجراح تشارلز ليمب إلى إجراء سلسلة بحوث لدراسة علاقة الموسيقى بدماغ منتجها ومتلقيها.

يقول الكاتب وعازف البيانو والمؤلف الموسيقي الأميركي فيجاي آير إن أية مدرسة موسيقى تلقن لتلاميذها وطلبتها مبدأً ثابتاً وهو «عليك ألا تفكر في أي شيء وقت عزفك على آلتك الموسيقية». عزَف فيجاي آير مقطوعة «خطوات عملاقة» لفنان الجاز الأميركي جون كولتران التي يحتاج فيها العازف إلى الارتجال وإظهار مهاراته الخاصة خلال الأداء، ثم قال «أعتقد أن المبدأ الذي تعلمناه، والداعي إلى إخلاء أذهاننا من أية أفكار عند العزف هو نظرة قاصرة. فالأفكار تسكن جوارحنا وتبدو موزعة في كل ما يصدر منا من أعمال، شئنا أم أبينا». وقد فتح رأي آير هذا الباب لنقاش واسع في المجتمع الغربي وزاد الباحثين حيرة عن ماهية العلاقة التي تجمع بين الموسيقى والعقل.
وخلال استضافته في برنامج إذاعي اسمه «أفضل ما في معارفنا»، قال الموسيقي وعالم الأعصاب جامشيد باروشا بعدما سأله مقدم البرنامج عن علاقة الموسيقى بالدماغ «أعتقد أنك تطرح سؤالاً لا يسعنا مهما فعلنا إلا أن نلامس شذرات سطحه، فنوع تفاعل الدماغ مع الموسيقى أعمق بكثير مما يمكن تصوره».
الناصية المايسترو
تشارلز ليمب هو جراح تخصص في دراسة «علم أعصاب الموسيقى». وهو يحاول التعمق في فهم مصدر الإبداع الموسيقي ومكمنه، عبر دعوة عدد من نجوم الجاز والراب إلى المشاركة في دراساته، وإخضاعهم لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي، لكن بعد مطالبتهم بابتكار نوتات مقطوعات موسيقية جديدة، أو ابتكار معزوفات راب خلال إجراء هذه الفحوص، ثم يقوم خلالها بقياس درجة تدفق الدم في الدماغ.
ويقول تشارلز عقب إجرائه سلسلة من الدراسات «لا يمكنني إلا الاعتراف بأن ما يحدث في الدماغ لحظة الإبداع الموسيقي أو محاولة الابتكار هو أمر يبعث حقاً على الدهشة. فهناك آلية حيوية كثيرة التشعب لكل تفصيل موسيقي يحاول المبتكر استدعاءه مما اختمر في عقله الباطن، وتداخل مع وقائع زمنه الحاضر». ويضيف «بالرغم من أنه يبقى من الأريح لنا كجمهور الاكتفاء بالاستمتاع بالموسيقى وتقدير مفعولها فينا دون الشعور برغبة في تعميق التفكير فيها وفي سر أثرها، فإن شيئاً ما يظل مُفتقداً بالنسبة لنا إن لم نحاول البحث، ويبقى السؤال الذي يفرض علينا نفسه بحدة ويواصل طرق أذهاننا هو «ما الذي يحدث بالضبط؟»».
وكشفت نتائج فحوص تصوير أدمغة المبدعين والمبتكرين بالرنين المغناطيسي عن أنها تحفل بأنشطة بالغة التعقيد، لكنها أظهرت في الوقت نفسه حدوث أمر لافت، وهو تراجع النشاط على مستوى قشرة الدماغ الأمامية (الناصية)، وهي منطقة يعتبرها علماء الأعصاب الرئيس التنفيذي للدماغ، وهي أيضاً مرتبطة بوظيفة التحليل الإدراكي والتفكير المجرد. وهذه المنطقة من الدماغ لا تنطفئ أبداً. ومعالجة بعض العمليات الرئيسة فيها قد تنحسر وتتراجع، لكنها لا تتوقف. وإذا أخذنا عملية المراقبة الذاتية الواعية مثلاً، نجد أن هذه المنطقة تدأب في معالجتها، وهي مكمن مشاعر القلق والحرص التي تنتابنا ويدفعنا إلى إتقان ما يصدر منا من أعمال وأدائها بشكل سليم وصحيح.
ويرى تشارلز أن الإبداع الموسيقي ليس عملية عشوائية، بل تتطلب عملاً وجهداً. فالتعقيدالذي يتسم به نشاط الدماغ وما يتفرع عنه ويتشعب يصعب اختزاله في بضع جمل. ومنطقة الناصية التي تقود الدماغ تشترك في قائمة طويلة عريضة من الأنشطة المعقدة قبل أن تثمر منتجاً مبتكراً، سواء كان موسيقى أم غيرها.
ويقول تشارلز إن جزء الدماغ المرتبط بنظرة الشخص إلى نفسه وتفكيره في ذاته يصبح أكثر نشاطاً لدى المبدعين الموسيقيين خلال أدائهم، وهذا يدل على أنهم يغوصون في ذواتهم ويذوبون في لاوعيهم الذي أفضى بهم إلى ابتكار كل جديد، ومن ثم أدائه بذلك الإتقان المحير.
مملكة الإبداع
يقول تشارلز إنه لجأ إلى الموسيقيين بالتحديد لدراسة مصدر ومكمن الإبداع والابتكار بشكل عام لاعتقاده الجازم بأن المبدعين الموسيقيين يشكلون مملكة الإبداع مترامية الأطراف. ويحدث الإبداع أثناء الارتجال بمستويات مختلفة، لكن خبراء الموسيقى لديهم المهارات الأساسية الكفيلة بتمكينهم من إظهار قدر عال من الإبداع، وبدرجة من العمق يعجز الآخرون عن الوصول إليها.
ويضيف «بالنسبة لي، لا أرى أن المجتمع البشري كان بإمكانه الصمود والبقاء والاستمرار لو كان يخلو من المبدعين والمبتكرين». ومن جهته، يرى باروشا أن البشر قادرون على الإبداع والابتكار والاختراع في ميادين عديدة كلعب الشطرنج واللغات، وليس في الموسيقى فقط. وهناك قواسم مشتركة عدة ما بين هذه الميادين، ولعل أبرزها هي «البنية والإطار وعدد لامتناه من الإمكانيات والاحتمالات داخل ذلك الإطار».
ويبقى السؤال المطروح والحال هذا هو «لماذا؟». يقول باروشا إنه يعتقد أن المجالات الإبداعية تمكن البشر من الترابط والاتصال وتشكيل مجموعات يكون أفرادها متزامنين ومتناغمين، ما يُنشئ معنى للهوية الجماعية.
سحر النغم
للموسيقى جاذبية تتعدى حدود معظم أشكال اللذة والمتعة، بما فيها الموسيقى الحزينة والغاضبة. وفي هذا الصدد، يقول باروشا «لترددات النغمات والرنات سحر يفوق بكثير مفعول الأشياء التي تجعلك تشعر بالفرح أو ترفع معنوياتك».
ومن جانبه، يقول عازف البيانو آير «في تجربتي الخاصة عازفاً أمام جماهير متعددة، أجدني أتسلح دوماً بقوة بارزة وهي إنشاء جو جماعي أستمتع فيه أنا مؤدياً للمعزوفة، ويستمتع به الجمهور مستمعاً لها. وأعتقد أن اندماج المؤدي والمتلقي في تلك الروح الموسيقية الجميلة تجعلنا نتحول جميعاً إلى مبدعين، فيبُدع العازف في ارتجالاته من حيث لا يدري، ويُبدع المتلقي في درجة تفاعله مع ما يسمعه، واستيعاب تفاصيل النوتات وظلالها، وترددات النغمات وما بين سطورها، فتكون المتعة هنا جماعية، والإبداع أيضاً جماعيا، وتتراقص أرواح الكل في سماء النغم».
العلاج بالموسيقى
لا يقتصر دور الموسيقى على إطراب النفس وإرواء الروح الظامئة لكل ما هو جميل في هذا الكون، بل يتعداه إلى العلاج المادي للمرضى. كونسيتا تاماينو ناقدة موسيقية وطبيبة متخصصة في العلاج بالموسيقى. تتعامل كونسيتا بالأساس مع المرضى الذين يعانون من مشاكل عصبية من قبيل إصابات الدماغ وداء الشلل الرعاشي، وأولئك الذي فقدوا بعض وظائفهم كالذاكرة أو المهارات الحركية أو الشفهية بعد تعرضهم لسكتة دماغية. وتقول كونسيتا إن بنية الموسيقى ومحتواها الشعوري ومخزونها العاطفي المتدفق يُساعد هؤلاء المرضى على النفاذ إلى هذه الوظائف مجدداً وجعلها تنبعث بعد انطفائها. وتضيف «الموسيقى تستخدم قدرتها الرهيبة على التخاطب مع بنيات هذه الوظائف، فتعمل شيئاً فشيئاً على إحيائها وإعادة الوهج إلى جوانبها وجوانحها».
ويعد العلاج بالموسيقى أداة تعبيرية يَستخدم المُعالج أوجهها المادية والعاطفية والذهنية والاجتماعية والجمالية والروحية من أجل مساعدة المريض على تحسين صحته، أو التخلص من إحدى علله. ويشيع استخدام الموسيقى كأداة علاجية في أمراض الوظائف الإدراكية والمهارات الحركية والنمو العاطفي والوظائف الاجتماعية والسلوكية. وهي فن وعلم في الآن نفسه، وتستعين بمجالات عديدة ذات صلة بعلم الموسيقى الحيوية والصواتيات الموسيقية ونظريات الموسيقى وجماليات الموسيقى وعلم الموسيقى المقارن، علاوة على علم النفس والطب العام والصحة المهنية. ويُستعمل العلاج بالموسيقى أيضاً في مراكز علاج السرطان والعلاج من إدمان الكحول والمخدرات وعيادات الطب النفسي والمرافق التأهيلية.
ويعد العالم والفيلسوف المسلم الفارابي الذي اشتهر أيضاً بالطب أحد أكبر المنظرين عن العلاج بالموسيقى، ويشتهر بنظرية «الفيض» ونظرية «معاني الفكر» اللتين يناقش فيهما الآثار العلاجية للموسيقى وتأثيرها المبهر على الروح. ومن المعروف أن أبقراط، أب الطب اليوناني، كان يعزف الموسيقى لمرضاه المصابين بعلل نفسية ويستعين بها لعلاجهم. ومن المعلوم أيضاً أن الفيلسوف أرسطو كان يصف الموسيقى بأنها تلك القوة السحرية التي تُطهر العواطف والمشاعر. وفي القرن الثالث عشر، اشتهرت المستشفيات العربية باستخدامها الموسيقى في غرفها ومرافقها العلاجية من أجل راحة المرضى. وهو أمر اتبعته فيما بعد المستشفيات الأوروبية والأميركية ولا تزال إلى الآن.
وقد اتخذ العلاج بالموسيقى منحى علمياً أكثر تخصصاً في العصر الحديث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ كان الموسيقيون يسافرون إلى حيث توجد المستشفيات في بريطانيا وغيرها من أجل عزف الموسيقى للجنود الذين يعانون من صدمات ما بعد الحرب والأمراض النفسية العاطفية الناجمة عن ظروف القتال. وقد أصبح العلاج بالموسيقى في وقتنا الحاضر أحد العلاجات الطبيعية والتكميلية المعتمدة في عدد من الدول، والمستخدمة في كثير من العيادات والمشافي. وقد كانت جامعة ميشيجان الأميركية أول جامعة تقدم برنامج العلاج بالموسيقى لطلبة الجامعة في سنة 1944.

هشام أحناش
عن «واشنطن بوست»