دنيا

قطار ملتقى زايد بن محمد..نافذة على محطات الفريج القديمة

حضور لافت من قبل الجمهور للمحاضرات التي تقدم على منصة القرية (الصور من المصدر)

حضور لافت من قبل الجمهور للمحاضرات التي تقدم على منصة القرية (الصور من المصدر)

قرية ملتقى زايد بن محمد العائلي، متنفس تراثي لكل أفرد الأسرة، وموطأ قدم كل محب للتراث وباحث في فنونه وخباياه، عبر صرح تراثي يقبع على مساحة 10 آلاف متر مربع، تمثل ثلاثة أضعاف مساحته في أول دورة له، تحتضنه منطقة الخوانيج الأولى في دبي، وتنظمه دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، وتمتد فعاليات القرية من 14 ديسمبر الماضي إلى 6 أبريل المقبل، في مشهد يشبه محطات القطار بوقوفها المتكرر على مشاهد تراثية وسط الفرجان القديمة.

خولة علي (دبي) - افتتحت أولى فعاليات قرية ملتقى زايد بن محمد العائلي، مراكز الأميرة هيا بنت الحسين في فبراير عام 2009، وها هي الآن تشرع أبوابها من جديد في دورتها الخامسة، لتقدم نشاطات وفعاليات ثقافية ودينية وتوعوية واجتماعية وتراثية ورياضية، بهدف تعزيز القيم الإسلامية السمحة، وإبراز الهوية الوطنية في ظل هذا الانفتاح الثقافي الذي تشهده الدولة، وتعريف الأجيال والزوار والسياح بتراثنا المحلي وتقاليده.
مشاهد البيئة
ومن خلال زيارة قصيرة في ثنايا هذه القرية يمكن أن يخرج المرء، وقد كون مخزوناً معلوماتياً، حول جملة من الاستفسارات والتساؤلات كانت تدور في ذهنه، عندما يشاهد تلك البيئة بمشاهدها وشخوصها، وتفاصيلها الدقيقة، التي جلبت من أحضان الماضي، لتكون بوابة يلج عبرها الفرد إلى حياة الأجداد قديماً، حين يدوس على عتبة الماضي عند بوابة قرية الملتقى، المشرعة على الفنون البديعة، المنتصبة بكل تحد، لتحتضن الأجيال والأبناء بكل دفء وحنان، لتأخذهم في رحاب القديم، وتتوغل بهم إلى محطات، تنبض زقاقها وجدرانها بمفهوم الفرجان القديمة، ببساطتها وسعة صدور أهالها، إلى الممرات الواسعة المزدانة بأشجار النخيل إلى مفارق طرق تؤدي إلى محطات متباينة من المباني المشيدة بحلة تراثية، لتقدم للزوار نشاطات مختلفة.
منظر تراثي بهيج للقرية بمفهومها وشخوصها وملامحها المعمارية، التي تمثلت في المقهى الشعبي، الذي تنبعث منه الترانيم الشجية على إيقاع آلة «البشتختة»، ونماذج البيوت القديمة البسيطة، التي نسجت من سعف النخيل لتتحول إلى مخيمات للزوَّار، يمكن أن يمكث فيها الزائر طوال اليوم، ويستمتع بمرافق القرية، ومن بين زقاق هذه القرية، شيدت «الدكاكين» المتراصة في صفوف متلاحمة مترابطة، مجسدة منظومة السوق القديم بتصميمه المعماري التراثي البسيط، وتحمل في جعبتها الكثير من الأفكار والبضائع المتنوعة، التي يمكن أن تلقى رواجاً، بين مرتاديه من الأسر.
والجميل في الأمر، أن هذه المشاريع متميزة ومختلفة، فهي من إبداع وإنتاج الأسرة المنتجة، وقد ساهمت عملية تواجدهم ومشاركتهم في هذا السوق، في إثراء جوانب مختلفة في مهاراتهم التجارية، من خلال احتكاكهم بالتجار، وتعريفهم على مستوى المعروضات.
وعلى مقربة من المكان يمكن أن تجذبك رائحة المأكولات الشعبية التي تدار خلطتها في مبنى شيد من «دعون» النخيل، حيث تستمتع بمنظر النسوة ومهارتهن وهن يخبزن خبز الرقاق، والخمير، واللقيمات، إلى جانب قدور تغلي على موقد الحطب تضم الباجلة «الفول» والدنقو أي الحمص والهريس، وصنوف من المأكولات الشهية، ليشكل الأمر في مجمله، فرصة للزوَّار لتناول الأطباق الشهية الساخنة، المعدة بعناية وخبرة اليد الإماراتية.
وحول الكثير من المحطات المتشحة بالتراث، وتحمل عبق الماضي وأصالته، قال نائب مدير الفعاليات في قرية ملتقى زايد بن محمد العائلي العميد أحمد خلفان المنصوري: تفتح القرية في عامها الخامس أبوابها لكافة الأسر الزائرة من داخل الإمارات وخارجها، ولكل باحث ومهتم في التراث المحلي، وتتطلع إلى تحقيق أهدافها، التي أسست من أجلها، لتقدم مزيجاً وتوليفة تراثية لافتة وجذابة، تحمل رسالة، وهدفاً، في تأصيل الثقافة الإسلامية، وغرس الموروث الشعبي بأبعاده وصوره، وتشجيع الأسر المنتجة على مواصلة عطائها التجاري من خلال توفير لهم منافذ البيع، وتوفير الأجواء المثالية، كي يقدموا إبداعاتهم وتطوير منتجاتهم، من خلال فتح بوابة الاحتكاك مع التجار والمؤسسات المتواجد في المكان.
روح الترابط
وأضاف: المكان تسوده روح الترابط والوحدة الاجتماعية، تحت مظلة تنطق بالأمان والراحة والتنوع في فعاليات مثالية لاجتماع الأسر بعيداً، عن صخب المدينة، ومن بين مرافق الملتقى، يمكن أن يثري الزائر خلفيته التراثية بزيارة قصيرة عبر بوابة المتحف التراثي، التي تختزن خلف ردهاتها مناحي الحياة الاجتماعية الاقتصادية، والتعليمية، فيمكن أن يمر من أمامه شريط تراثي، يحمل ذكريات الأجداد لدقائق عبر مشاهد وصور غيبها الزمان، وظلت مجرد ذكرى ورواية عالقة في ذهن أجدادنا، يتداولوها من حين إلى آخر، حيث يأخذ متحف التراث الزائر إلى أصالة الماضي بعناصرها ومفرداتها، فمن يجول فيها قد يستقي الكثير من المعلومات، دون أن يحتاج إلى من يشرح له ويوجهه، فكل قطعة ومنطقة تحكي عن نفسها، حيث وضعت بعض اللوحات التعريفية باللغتين العربية والإنجليزية، تشرح كل جزء وكل قطعة، أو حتى وظيفة اعتاد الأهالي قديماً على مزاولتها.
وحول محتويات المكان، لفت المنصوري إلى أنه يصور طبيعة المساكن القديمة وأنواعها، وفقاً لطبيعة المنطقة، التي تواجد فيها الأفراد، فمساكن الجبال مختلفة عن البدو الرحل، وأهالي الساحل، الأمر الذي أنعكس أيضاً على اختلاف المهن التي زاولوها، وما أن ينتهي المرء من محطة المساكن حتى يلج إلى الأسواق الشعبية القديمة، التي تصدح فيه وتعلو أصوات الباعة والمشترين، حيث يشاهد المرء سلسلة من المحال القديمة بواقعها القديم ومنتجاتها، التي قدمت فكرة وجيزة عن طبيعة المهن التي مارسها الأهالي قديماً.
مدرسة الأحمدية
ويتابع: يضم المكان محطة أخرى يستقبل من خلالها الزائر، حيث يرى مجسماً لمدرسة الأحمدية أول مدرسة شبه نظامية في دبي، وتجسد في أروقتها مراحل التعليم قديماً من المطوع وصلا إلى المدارس النظامية، بالإضافة إلى بيئة الحياة البحرية، حيث تجسد فيها علاقة الإنسان قديماً بالبحر، الذي كان مصدر رزقه الأساسي، حيث تم وضع أدوات الصيد والغوص بأنواعها، كما وضعت مجسمات لأنواع من المراكب القديمة، التي استخدمها الأهالي في تلك الحقبة الزمنية في شق عباب البحر بحثا عن الرزق، مشيراً إلى أن المتحف ينبض بالحياة من خلال تواجد عدد من الحرفيين الذين يقدمون بعض العروض التراثية الحية للزوار، كالحرف والمهن القديمة، بتعاون من قبل عدد من المتاحف في الدولة.
كما لفت إلى أن الأمر متروك للزوَّار في كشف مورثات هذا المتحف التراثي الذي يشرع أبوابه لكل من يريد أن يتعرف على تراث المنطقة، فمن الجميل أن يصطحب الزائر أطفاله ويكشف لهم عن أرث الأجداد وطبيعة الحياة القاسية التي عاشوها في سبيل البحث عن الرزق، وتطويع خامات البيئة المحلية لتلبية احتياجاتهم اليومية، فكل جزء في القرية مشيد بملامح تراثية، فبخلاف البوابة والسور الخارجي، ومتحف التراث، يجد الزائر للأسواق قد دمغت بالفن المعماري التراثي، عبر مجموعة متراصة من الدكاكين المزدانة بالزخارف والنقوش القديمة، التي احتضنت مجموعة مختلفة من البضائع والمنتجات المعروضة من قبل الأسر المنتجة، ومشاريع مؤسسة محمد بن راشد لدعم الشاب، وأيضاً التجار، كل ذلك ساهم في تنوع البضائع، وخلق روح التنافس بين فئات أصحاب المحال، الأمر الذي يدفعهم بلا شك لتطوير منتجاتهم وتجديد الأفكار، واكتساب مزيد من الخبرات والمهارات.
ركن المأكولات
وعلى نهج ووتيرة التراث، من خلال ركن المأكولات الشعبية، يعيش المكان وفقا لما ذكره المنصوري في منطقة تم تشييدها بدعون النخيل، حيث توزع النسوة في الخانات التي خصص لنوع الأطباق فالمخبوزات التراثية يتم تجميعهم في زاوية، والأطباق التراثية الأخرى كالهريس والباجلة ونحوه أخذ زاوية أخرى، حتى تكون العملية أكثر تنظيماً وسهولة لمحبي المأكولات الشعبية، وفي مقابل ذلك تم إدخال بعض المطاعم الحديثة، حتى تكون العملية نوعا ما متزنة وإرضاءً لأذواق الزوار.
ورغبة في توفير المزيد من الراحة للزوار، أوضح نائب مدير الفعاليات في قرية ملتقى زايد بن محمد العائلي أنه تم توزيع عدد من الخيام، وهي استراحات مشيدة من العريش تتمتع بقدر من الخصوصية التي تحتاجها الأسر، وتضم بعض الخدمات الخاصة والإلكترونية، إلى جانب جلسة في الفناء الخارجي لكل استراحة، حيث يمكن أن تقضي الأسرة وقتها من الواحدة ظهراً إلى الساعة الحادية عشرة مساءً، وتجوب مرافق القرية بكل راحة، ويمكن أيضاً أن يصطحب الآباء أطفالهم لزيارة حظيرة الحيوانات ليتعرفوا على حيوانات البيئة المحلية، إلى جانب بعض الحيوانات النادرة، التي جلبت من بيئات مختلفة، كما أن هناك تنوعا وثراء في حديقة الحيوانات، كما تضم الحظيرة بعض الحيوانات، التي لا يمكن أن يجدها الزائر في حدائق الحيوانات المحلية.
ولفت المنصوري إلى أن للأطفال أيضاً نصيباً كبيراً من الفعاليات، حيث تم تخصيص منطقة ألعاب واسعة تضم عددا كبيرا من الألعاب المحببة للأطفال، منها أيضا الألعاب الإلكترونية إلى جانب حضانة مخصصة لهم.
إضاءة
تضم قرية ملتقى زايد بن محمد العائلي قاعة تدريب، تقدم عددا كبيرا من الدورات التخصصية في تطوير الشخصيات، يمنح خلالها المشارك شهادة دولية، كما تقدم مجموعة من الندوات والمحاضرات الدينية والأسرية، وأيضاً باقة من الأناشيد الإسلامية.