عربي ودولي

«ديلي ميل»: اعتراف واضح بتدني قدرات الدوحة أمنياً وعسكرياً

دينا محمود (لندن)

في مؤشرٍ جديد على عجز النظام القطري عن تأمين بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022، والتي حصل على حق استضافتها في ظل ملابساتٍ تفوح منها روائح التلاعب والرشوة والفساد، أقرت السلطات الحاكمة في الدوحة بأنها ستضطر إلى الاستعانة بغطاءٍ جويٍ بريطاني لتوفير الأمن الكافي لهذه المنافسات، التي لم يبق على موعد انطلاقها سوى أقل من خمس سنوات.
فقد أبرزت صحيفة «دَايلي مَيل» البريطانية واسعة الانتشار، تصريحاتٍ أدلى بها في هذا الصدد نائب رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الدولة للدفاع خالد بن محمد العطية، وأقر فيها بأن طائرات سلاح الجو البريطاني ستتولى حماية أجواء بلاده المنبوذة خليجياً وعربياً، خلال مباريات المونديال المقرر إقامته في الفترة ما بين 21 نوفمبر و18 ديسمبر 2022.
وسلّطت الصحيفة - ذات توجهات يمين الوسط - الضوء على قول العطية إن الطائرات الحربية البريطانية «ستقوم بدورياتٍ في سماء قطر»، ومحاولته في الوقت ذاته التهوين من شأن هذا الاعتراف بتواضع قدرات بلاده الأمنية، بالقول إن هذه الدوريات ستتم في إطار تعاونٍ مشتركٍ مع السلاح الجوي للدوحة.
وكشفت «دَيلي مَيل» في تقرير إخباري نشرته في الموضوع النقاب عن أن المقاتلات البريطانية التي ستتولى هذه المهمة، ستكون من طراز «تايفون»، وأشارت إلى أن مهمتها ستتمثل في حماية السائحين والزوار الأجانب الذين قد يفدون إلى قطر لمشاهدة مباريات المونديال.
وأوضح التقرير أن عمليات الحماية الجوية لكأس العالم 2022، ستُسند إلى «سربٍ عملياتي جديد» مشترك، سيضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب ومواجهة أي عمليات تخريبية قد تستهدف الحدث الكروي الأكبر في العالم، الذي استغرب الكثيرون إسناده لدولة تفتقر إلى أي تاريخٍ في كرة القدم مثل قطر.
وكان لافتاً ما نسبته «دَيلي مَيل» إلى الوزير القطري من قولٍ - خلال مؤتمرٍ صحفي مشترك جمعه مع نظيره البريطاني جافين ويليامسون: «إنهم (البريطانيون) سيحمون سماواتنا خلال كأس العالم 2022»، وذلك في اعترافٍ واضح من المسؤول الأول عن الملف الأمني والعسكري في الدويلة المعزولة، بتدني قدراتها في هذين المجالين، إلى الحد الذي يضطرها إلى الاستعانة بحماية قواتٍ أجنبية وبشكلٍ علني.
كما لم يتورع العطية عن الإقرار بأن توفير الأمن للمونديال، الذي تلاحقه الفضائح، شكّل الغرض الرئيسي من تعزيز التعاون العسكري مع المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة، قائلاً في هذا الشأن: «هذا (حماية البطولة) هو السبب وراء تشكيل سربٍ جويٍ عملياتي مشترك (مع بريطانيا). سيطيرون (الطيارون البريطانيون) معنا للحماية.. من أي عملٍ إرهابي».
ولفتت الصحيفة البريطانية هنا الانتباه إلى أن قطر وقعت الشهر الماضي فقط صفقةً اشترت في إطارها 24 مقاتلة من طراز «يوروفايتر تايفون» مقابل نحو 8.3 مليار دولار.
وأشار تقرير الـ«دَيلي مَيل» إلى أن المقاتلات التي سيتألف منها السرب الجوي، الذي ستُوكل إليه مهمة الحماية الجوية خلال المونديال المشبوه، ستتمركز في «بريطانيا في الأساس، وكذلك في قطر خلال السنوات المقبلة» وهو ما يدحض قول الوزير القطري خلال المؤتمر الصحفي إن بلاده لا تريد «أن يُلقى العبء (الخاص بتأمين البطولة) على كاهل أصدقائنا وحدهم»، في محاولةٍ منه للزعم بأن الدوحة ستشارك في عمليات التأمين المزمعة.
وعزز من ذلك ما قاله العطية نفسه - حسبما نقل عنه تقرير «دَيلي مَيل» - من أنه «في كل مرة تحدث أزمة، نرفع سماعة الهاتف ونطلب 911 أو نطلق إشارة استغاثة»، وذلك في إيماءة لا تخفى إلى مسارعة الدوحة بالاستنجاد بالدول الغربية الكبرى حال مواجهتها أي أزمات، في ضوء أنه من المعروف أن 911 هو رقم الطوارئ في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من التصريحات المتفائلة لوزير الدفاع القطري بشأن هذا الملف، فمن الواضح أن التعاون الأمني المشترك بين النظام الحاكم في الدوحة والحكومة في لندن على صعيد تأمين المونديال الكروي، لم يُقر نهائياً بعد من جانب السلطات البريطانية. فبحسب تقرير «دَيلي مَيل» لا تزال «التفاصيل الخاصة» بهذا الأمر قيد البحث بين المسؤولين من كلا البلدين.
وفي إشارة واضحة إلى المحاولات المحمومة التي يقوم بها النظام الحاكم في قطر لكسب الدعم السياسي البريطاني من خلال إغداق الأموال على الشركات العاملة في المملكة المتحدة، قال وزير الدولة القطري للدفاع إن بلاده زادت «استثماراتها.. في المملكة المتحدة»، مُشيراً إلى حجم الاستثمارات القطرية السيادية الضخمة حالياً في بريطانيا.
يأتي استنجاد الدوحة بالمقاتلات البريطانية لتأمين المونديال بعد أقل من شهرين من تحذيراتٍ أبرزتها وسائل إعلام غربية من وجود العديد من المخاطر التي تواجه كأس العالم 2022. ونقلت هذه الوسائل في ذلك الوقت عن يورجن ستوك الأمين العام لمنظمة الشرطة الدولية «الإنتربول» تأكيده على أن «الفعاليات الرياضية الدولية تمثل دائماً تحديات شرطيّة وأمنية لكل دولة مُستضيفة»، في إشارة واضحة إلى البطولة المزمعة في قطر.
ولم يغفل ستوك القول وقتذاك أن الفعاليات الرياضية المهمة - في إشارة إلى كأس العالم بعد القادم بالطبع - يمكن أن تجتذب «مجموعةً واسعة من التهديدات، بدءاً من الفوضى والشغب من ناحية، وصولاً إلى العنف والهجمات الإليكترونية والإرهابية من ناحية أخرى».
وعلى صعيد ذي صلة بملف مونديال 2022 الحافل بالفضائح، ألمحت منظمة «هيومان رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان في العالم، إلى أن الأزمة التي يواجهها النظام القطري بعدما فُرِضت العزلة عليه، أجبرته على الإعلان عن إجراء تغييرات في نظام العمالة المُطبق في أراضيه، وهو ذاك النظام الذي يثير انتقاداتٍ دولية واسعة النطاق، في ضوء ما يؤدي إليه من حدوث انتهاكات خطيرة بحق مئات الآلاف من العمال المهاجرين العاملين في قطر، وخاصة من بين أولئك الذين يعملون في المشروعات المتعلقة بتهيئة البنية التحتية اللازمة لاستضافة كأس العالم.
وفي تقريرٍ أصدرته أمس (الخميس)، استعرضت المنظمة تواريخ الإعلان عن هذه التغييرات، والتي بدأ اتخاذها قبل أقل من شهرين من إعلان الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب فرض إجراءاتها الصارمة ضد الدوحة، بهدف إجبارها على التخلي عن سياساتها الداعمة للإرهاب والمُزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
ويشير استعراض هذه التواريخ إلى أن تلك التعديلات والتغييرات جاءت بشكلٍ متسارع، وبفعل تدابير «الرباعي العربي»، التي شملت قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام تميم بن حمد وإغلاق المنافذ الجوية والبحرية والبرية مع قطر.
ولم يغفل تقرير المنظمة الحقوقية الدولية توجيه انتقاداتٍ لاذعة إلى ما يزعمه المسؤولون القطريون من إجراء بلادهم «إصلاحاتٍ» تم إقرارها على مدار الشهور القليلة الماضية. وضرب التقرير مثالاً في هذا الخصوص بالقانون الذي أُقِر في أواخر أغسطس الماضي بشأن العمالة المنزلية في قطر، واصفاً إياه بأنه «لا يزال أضعف من قانون العمل العام للبلاد، ولا يتفق تماماً مع اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمال المنزليين»، وهي الاتفاقية المُعتمدة دولياً لحماية حقوق العاملين في مجال الخدمة المنزلية على مستوى العالم.
وأكد ذلك التقرير أن هؤلاء العمال «محاصرون في حلقةٍ خبيثةٍ من الديون والاستغلال»، في مؤشرٍ واضحٍ على ضآلة الأجور، التي يتقاضاها أولئك الأشخاص الذين قطعوا آلاف الكيلومترات قادمين من أوطانهم للعمل في قطر، سعياً وراء سراب الحصول على مورد رزق، يكفل لهم ولأسرهم حياةً كريمة.