ألوان

علماء: معاقبة المهملين والمقصرين واجب شرعي

أحمد مراد (القاهرة)

حذَّر علماء دين من خطورة آفة الإهمال على مستقبل الأمة، مؤكدين أن عاقبتها وخيمة سواء على الفرد، أو المجتمع، أو الأمة بأكملها، معتبرين أنه إذا انتشرت هذه الآفة في أمة أهلكتها، وجعلتها في ذيل الأمم. وأكدوا أن الإسلام الحنيف حارب آفة الإهمال بشتى الطرق، وحث كل مسلم ومسلمة على أن يؤدي عمله على الوجه الأمثل، وألا يهمل في العمل، وإذا كان العمل يمثل عنصراً أساسياً في حياة المسلم، فإن المراد به وفقاً للتعاليم الإسلامية ليس أي عمل ينجزه الإنسان، وإنما يراد به العمل المتقن، البعيد عن التقصير. وشدَّد العلماء على ضرورة الضرب بيد من حديد على أيدي جميع المقصرين والمهملين الذين يستخفون بالمجتمع وأبنائه.

مواصفات محددة

الدكتور عبد الحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بين أن الإسلام الحنيف حارب آفة الإهمال بشتى الطرق، وحث كل مسلم على أن يؤدي عمله على الوجه الأمثل، فقال جل شأنه: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، وإذا كان العمل يمثل عنصراً أساسياً في حياة المسلم، فإن المراد به ليس أي عمل ينجزه الإنسان، وإنما يراد به العمل المتقن، يستحق أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وقال النبي عليه الصلاة والسلام عن العمل «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، والعمل المتقن هو البعيد عن كل ألوان الإهمال، الذي يتحلى بأعلى مواصفات الجودة، ولكن للأسف في هذه الحقبة من تاريخ الأمة الإسلامية لا يزال البعض يصرون على اللامبالاة والإهمال، الذي يؤدي إلى كثير من أسباب الفشل، فنرى البعض لا يعمل أصلاً، ورغم ذلك يقف مطالباً بالحقوق من هنا، ومن هناك، وهو في الواقع لا ينجز عملاً يستحق عليه راتباً، وإن أدى عملاً، فهو من ناحية الظاهر والشكل فقط، لكنه فارغ من كل مضمون، ومن الإتقان، الأمر الذي يؤدي إلى كوارث كبيرة ومصائب جمة.

ويضيف منصور: «لقد حذَّر الإسلام كثيراً من الإهمال نظراً لخطورته الجسيمة على الأرواح، فقد يؤدي إلى ضياع أرواح العديد من الأبرياء، وبسبب الإهمال يقع الكثير من الكوارث، وفي الحقيقة أن المسؤولية في نظر الإسلام تعني الكثير والكثير نحو الوطن، والمجتمع، والأمة، ونحو المواطنين الذين نؤدي لهم حقوقاً يجب أن تؤدي على النحو المنشود من دون أي وجه من أوجه الإهمال أو التقصير، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»، لم يستثن أحداً من في أداء الواجب على النحو الذي يتطلبه الشرع». وشدَّد منصور على ضرورة الضرب بيد من حديد على أيدي جميع المقصرين والمهملين الذين يستخفون بالمجتمع وأبنائه، إذا أردنا أن نبني مجتمعا قائماً على العمل المتقن، علينا أن نستأصل آفة الإهمال من جذورها.

وجوه عديدة

بدوره، أوضح الدكتور أسامه فخري الجندي، من علماء وزارة الأوقاف المصرية، أن هناك أوجهاً عديدة للإهمال منها، عدم المبالاة، وانحراف العامل أو الموظف عن العمل الموكول إليه تنفيذه، والتقصير في العمل، والكسل عن القيام به، وعدم الشعور بالمسؤولية، وهي كلها أمور يرفضها الدين الحنيف، وفي الحقيقة أن الإهمال والتهور وعدم التبصر والتحرز الذي يسبب الضرر بالغير يستحق العقوبة المناسبة كما تنص القواعد العامة للشريعة. وقال الجندي: «في طليعة المسائل التي تشغل الأمة الآن زيادة الحوادث الضارة المتكررة نتيجة الإهمال، ولا ريب أن حوادث السير، وما تحدثه وسائل المواصلات المختلفة من سيارات وقطارات ونحوها من أضرار بالأرواح والممتلكات أثناء سيرها، وما يحدثه الإنسان عن طريق الخطأ يندرج تحت ما يسميه القانونيون بجرائم الإهمال، والتي تنزف فيها الدماء، ومن ثم وجب على الجهات المعنية وقبلهم الأفراد جميعاً أن يبحثوا منع الأسباب المؤدية لهذا الاستهتار المتكرر بحياة البشر، وأن يتم إصدار قانون يجرم ذلك ويعاقب عليه، وهو أمر يتفق مع الشريعة الإسلامية التي تنهى عن كل وجه من أوجه الإهمال».

وأكد الجندي أن الكل يعلم تمام العلم أن عاقبة آفة الإهمال وآثاره ونتائجه وخيمة وكارثية سواء على الفرد أو المجتمع أو الأمة بأكملها، وإذا انتشرت هذه الآفة في أمة أهلكتها، وجعلتها في ذيل الأمم، وللأسف الشديد البعض يبرر نتائج إهماله بأنه «قضاء وقدر»، وهو بالتأكيد تبرير خاطئ، فعلى كل مسلم أن يأخذ بالأسباب، ويؤدي واجبات عمله على الوجه الأمثل، ويترك بعد ذلك أمره لله تعالى، فعلينا ألا نحّمل القضاء والقدر ما ينتج عن الإهمال والتسيب، ولا ننسى أن الله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لأن التواكل نوع من الإهمال والتقصير ولا يعفي صاحبه من تحمل المسؤولية.

محاربة آفة العصر

الشيخ محمود صلاح، من علماء وزارة الأوقاف المصرية، أكد أن محاربة آفة الإهمال والاستهتار تبدأ من العودة لتعاليم الدين الإسلامي، موضحاً: «انتشرت ظاهرة الإهمال واللامبالاة والاستهتار وعدم المسؤولية في العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل مخيف، ولم تتوقف عند قطاع معين من قطاعات المجتمع العربي والمسلم، ولكنها انتشرت كالوباء في معظم قطاعاته، حتى أصبحت آفة هذا العصر، وهو أمر بالتأكيد لا يرضى عنه الله ورسوله، وقد حاربه الإسلام منذ أكثر من 1400 عام، حيث إن من مقاصد الشريعة الإسلامية عمارة الأرض وحفظ النفس والنسل والدين والعرض والمال، وبالتأكيد أن عمارة الأرض وحفظ مقاصد الإسلام لا تكون إلا بإتقان العمل والأخذ بالأسباب، وأن نبتعد عن الإهمال والتسيب واللامبالاة».

وأكد الشيخ صلاح: لقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يؤدي كل مسلم ومسلمة ما عليه من مسؤوليات بشيء من الإتقان، وأن يتجنب التقصير في مسؤولياته، وفي هذا الشأن قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته».