عربي ودولي

مُكابرة النظام القطري لن تُجدي وإقراره بجرائمه ضرورة قبل أي حل

دينا محمود (لندن)

أكد محللون سياسيون واقتصاديون في العاصمة البريطانية لندن لـ «الاتحاد» فداحة الخسائر السياسية والاقتصادية التي لحقت بالنظام القطري خلال العام الأول للمقاطعة المفروضة عليه من جانب الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين)، وقالوا إن السبيل الوحيد لخروج «نظام الحمدين» من أزمته الخانقة، يتمثل في انصياعه لمطالب «الرباعي العربي» وتخليه عن سياساته الداعمة للإرهاب والمُتقاربة بشدة مع «نظام الملالي» المُهيمن على الحكم في إيران.
وقال المحلل السياسي العربي المقيم في لندن د. حسن عبد ربه إن المكابرة التي يتبناها النظام القطري في التعامل مع المطالب المُحقة المطروحة عليه «لن تجديه نفعاً». وأشار إلى أن النهج الذي اتبعه نظام تميم بن حمد منذ اندلاع الأزمة منتصف العام الماضي، أدى إلى حدوث «الكثير من الخسائر التي مُنيت بها قطر على الصعيد السياسي، يُضاف إلى ذلك تلك التي تكبدتها على المستويين الاستثماري والتجاري»، فضلاً عن أضرارٍ أخرى ضربت الدويلة المعزولة على «الصعيد المجتمعي».
وحمّل د. عبد ربه النظام القطري مسؤولية إضعاف البنيان العربي وكذلك الموقف الخليجي الموحد، كما انتقد انشغال «نظام الحمدين» بمحاولة شراء الدعم السياسي الدولي له، عبر تبديد الأموال هنا وهناك وقال: «الكل يعلم أن قطر تسعى دائماً إلى تجنيد بعض رأس مالها لكي يخدم قضيتها الرئيسية وهي أنها على حق»، وذلك في إشارةٍ منه إلى المليارات التي أنفقتها الدويلة المعزولة على مدار الشهور الماضية على الساحة الدولية، في صورة صفقات أسلحة باهظة التكاليف وتكوين جماعات ضغط وغير ذلك، في مسعىً يائسٍ لحمل القوى الكبرى على إبداء الدعم لها في أزمتها المستحكمة.
وفي إشارة إلى تَبِعات العلاقات المشبوهة المتنامية بين حكام قطر والنظام الإيراني، شدد المحلل السياسي العربي المقيم في بريطانيا على أن الأزمة الراهنة أثرت على الموقف الخليجي حيال «القضايا العالقة بين دول الخليج وإيران»، والمتمثلة في التدخلات الإيرانية الرامية لزعزعة الاستقرار في الدول الخليجية، ومحاولات طهران بسط هيمنتها على المنطقة.
وأشار إلى ما خلّفه الانحياز القطري لإيران، من تأثيراتٍ سلبيةٍ على قدرة دول الخليج على التصدي للنفوذ الإيراني في دولٍ مثل العراق وسوريا واليمن، وهي البُلدان التي إما لطهران وجودٌ عسكريٌ مباشرٌ في أراضيها مثل سوريا، أو ترسل لحلفائها فيها إمداداتٍ من الأسلحة والذخيرة والصواريخ مثل ما تفعله مع ميليشيات الحوثي القابضة بقوة السلاح على الحكم في صنعاء، أو تدعم جماعاتٍ مسلحةً ذات نفوذ على ساحتها الداخلية كما يحدث على الساحة العراقية.
وحول رؤيته لكيفية خروج «نظام الحمدين» من مأزقه الراهن الآخذ في التفاقم، أكد د. حسن عبد ربه أن هناك جملةً من الخطوات التي يتعين على هذا النظام اتخاذها لإنهاء عزلته، داعياً حكام الدوحة إلى التخلي بدايةً عن التشبث بسياساتهم الحالية، وأن تبدأ بـ«الاعتراف بأن هناك خللاً» في العلاقات بينها وبين الدول الخليجية ومصر، مُشدداً في الوقت نفسه على أن المطالب المطروحة على الدوحة «ليست عصيةً» على التنفيذ.
وأكد أن «المطلوب من الدولة القطرية أن تكون عربيةً.. وخليجيةً»، مشيراً إلى أنه من العبث أن يواصل نظام تميم سياساته الحالية القائمة على دعم التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط وإيواء عناصرها وقادتها وتوفير الدعم والمال لها، وكذلك الارتماء في أحضان إيران.
واعتبر أن «رقم واحد في التنازلات التي يجب أن تقدمها قطر لإنهاء الأزمة، يتمثل في تحديد إقامة العناصر التابعة للتنظيمات المتشددة والإرهابية التي تأويهم على أراضيها.. وتحديد حركتهم ومنعهم من الإساءة إلى الآخرين»، تمهيداً لطردهم من الأراضي القطرية في نهاية المطاف.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في «تجميد الحسابات المصرفية الخاصة بمثل هذه العناصر، خاصة من يعمل منهم» داخل دولٍ عربية أخرى بغرض زعزعة استقرارها، وأن تُعيد قطر النظر في علاقاتها الحالية بدولٍ مثل تركيا وإيران.
من جهة أخرى، استعرض د. مصطفى البرزكان الخبير العربي حجم الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تتكبدها قطر منذ فرض العزلة عليها منتصف العام الماضي، على الرغم من محاولات الدوحة تخفيف الأضرار التي تلحق بها، عبر السحب بكثافة من الاحتياطيات المالية التي كان نظامها الحاكم يزعم أنه يعمل على الحفاظ عليها لخدمة الأجيال القادمة. وأشار إلى أن «نظام الحمدين» استنزف جانباً لا يُستهان به من أرصدة صناديق الثروة السيادية القطرية، التي كانت ميزانياتها الإجمالية تبلغ قرابة 340 مليار دولار، وذلك بهدف الحيلولة دون انهيار القطاعات المصرفية والمالية في الدويلة المعزولة.
وقال إن المقاطعة أجبرت حكام الدوحة على «سحب 50 مليار دولار لدعم الريال القطري ودعم المصارف» التي لحقت بها أضرارٌ جسيمة بفعل نزوح الأموال منها، بمجرد قطع «الرباعي العربي» علاقاته الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية مع الدوحة في الخامس من يونيو 2017.
كما اضطرت الحكومة القطرية - حسبما يقول البرزكان - إلى سحب «استثماراتٍ من بعض المجالات، لضخ الأموال الخاصة بها في مجالاتٍ أخرى»، لمواجهة تداعيات العزلة المتفاقمة كذلك، مُشيراً في هذا السياق إلى بيع الدوحة حصصها في شركاتٍ ومؤسساتٍ مثل مصرف «كريدي سويس» السويسري الشهير، وشركة «تيفاني» المعروفة للمجوهرات.
ولكن البرزكان شدد على أن هذا التجريف الواسع للاحتياطيات المالية من جانب السلطات الحاكمة في الدوحة، لم يحل دون أن يتأثر الاقتصاد القطري بالعزلة على نحوٍ أضعفه بنسبة تصل إلى «15% خلال الشهور الاثني عشر للمقاطعة»، وذلك بحسب بعض التقديرات المتوافرة في هذا الإطار.
وألمح الخبير المخضرم في الشؤون المالية والاقتصادية إلى أن عمليات السحب الواسعة هذه، أدت كذلك إلى التأثير سلباً على متوسط دخل الفرد في قطر الذي كان قبل عام يعد الأعلى في العالم، قائلاً إن هذا التصنيف «تأثر بالتأكيد» بعد التراجع الكبير في حجم الأموال التي كانت تكتنزها صناديق الاستثمار القطرية.
كما تطرق الرجل إلى الانتكاسات الحادة التي ضربت شركة «الخطوط الجوية القطرية»، والتي قال إن رحلاتها إلى دول العالم الأخرى تقلصت «بنسبة 20%» منذ فرض العزلة، خاصة بعدما اضطرت الشركة إلى تعليق هذه الرحلات إلى 19 من وجهات السفر التي كانت تقصدها في الفترة السابقة للمقاطعة.
المقاطعة المستمرة منذ عامٍ كاملٍ أدت أيضاً - كما قال البرزكان- إلى تراجع «عدد زوار قطر خلال عام 2017 بنسبة 23%»، وذلك رغم أن المقاطعة لم تستمر سوى ستة أشهر فحسب خلال هذا العام، وهو «ما أثر بالتأكيد.. على الاقتصاد الداخلي وعلى نسبة الحجوزات في الفنادق». وتفيد تقديراتٌ كشفت عنها مؤسساتٌ دولية عن أن خسائر قطاع السياحة في قطر، تُقدر بنحو 600 مليون دولار، وأن الأضرار التي لحقت بالقطاع العقاري في الدويلة المعزولة، أدت إلى تراجع أسعار العقارات هناك بنسبة تصل إلى 10%.
وعلى الصعيد الدولي، أكد الخبير العربي في الشؤون المالية وشؤون الطاقة أن العزلة المفروضة على «نظام الحمدين» ضربت الاستثمارات القطرية في دول العالم المختلفة في مقتل، وقادت إلى تراجعها.
ومن بين أمثلة الخسائر التي لحقت بالدوحة في هذا الصدد - وفقا للبرزكان - ذلك «الفحص المشدد» الذي باتت تخضع له أي عقود أو صفقات تشارك فيها أي جهات قطرية، منذ فرض العقوبات الحالية على نظام تميم بن حمد، وهو ما يجعلها تندرج على ما يمكن تسميته «قائمةً سوداء». ويوضح البرزكان أن «الاستثمارات القطرية صارت تواجه عقباتٍ قانونيةً وتشريعيةً في الدول التي كانت تذهب إليها أو تجتذبها في السابق.. مما أدى إلى عرقلة هذه الاستثمارات».
ولم يغفل د. مصطفى البرزكان الإشارة كذلك في تصريحاته إلى الأموال الطائلة التي بددها «نظام الحمدين» على صفقاتٍ لم ينخرط فيها سوى لاستجداء دعم بعض دول العالم له في عزلته الراهنة، وهو ما وصفه البرزكان بـ«ثمنٍ تدفعه قطر لشراء مواقف سياسية».
وضرب مثالاً على ذلك بصفقةٍ أبرمتها السلطات القطرية لشراء حصةٍ في شركة «روزنفت» الروسية العملاقة للنفط، من أجل تعميق العلاقات بين الدوحة والكرملين. وأشار البرزكان إلى أن «قطر أخذت على عاتقها شراء هذه الحصة، التي لم تتمكن شركةٌ صينيةٌ من شرائها، ودفعت 4.8 مليار دولار لشركةٍ سويسرية، ثم دفعت مبلغاً مماثلاً لتسديد ديونٍ» كانت مستحقةً على هذه الشركة، ليتسنى لها الحصول على الحصة التي ترغب فيها في «روزنفت» في نهاية المطاف.