دنيا

المزاح.. بلا سخرية أو كذب أو تحقير

ماجدة محيي الدين (القاهرة)

تدعو شريعتنا الغراء إلى التغاضي عن أخطاء الغير، وتقدير الطبيعة الإنسانية وما يعتريها من مشاعر وغرائز، مما يؤدي أحياناً إلى عدم القدرة على انتقاء الكلمات الدقيقة اللائقة أو التصرف بذكاء تجاه موقف معين.. ويحدث الزلل أو الخطأ غير المقصود.. ما يثير الخلافات بسبب كلمة في وقت لهو أو مزاح دون قصد الإساءة أو الإهانة. وما أحوجنا في شهر رمضان إلى المصالحة وتنسم عبير الود والسمو الأخلاقي من سيرة الرسول العطرة، ونتأمل كيف كان عليه الصلاة والسلام يمازح أصحابه وزوجاته دون إهانة أو تجريح، ولكنه لم ينطق إلا حقاً، وهناك الكثير من المواقف التي تروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، تبين حرصه على مشاعر الآخرين حتى في لحظات المزاح، بحيث لا ينطوي على سخرية أو لمز أو غيبة.
وقد أمرنا الله سبحانه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، «سورة الحجرات: الآية 11».
يؤكد الدكتور علي جمعة أن الضحك والمزاح في حياة النبي، مقيد بضوابط لا بد وأن تراعى، منها ألا يقع في الكذب ليضحك الناس، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له». وقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ويضحك ولا يقول إلا حقاً وصدقاً، وقد نهانا أن يشتمل المزاح على تحقير لإنسان آخر أو استهزاء به، وقال صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
وكان صلى الله عليه وسلم يمازح أنس رضي الله عنه قائلاً: ياذا الأذنين، وينادي أم المؤمنين عائشة: يا عائش، ويصفها بالحميراء، وهي صفة للمرأة البيضاء المشربة بحمرة الوجه. قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يصغرني يقال له أبو عمير، وكان إذا جاء قال له النبي: يا أبا عمير ما فعل النغير «طائر صغير» كان له.
ولا شك أن من مكارم الأخلاق التغاضي عن أخطاء وهفوات الآخرين، وقد كان مزاحه صلى الله عليه وسلم نوعاً من المداعبة والتفاعل مع أهله وأصحابه، ويشتمل دائماً على المعاني الجميلة والمقاصد النبيلة، ومن ذلك قصة المرأة العجوز التي جاءته تسأله أن يدعو الله لها أن يدخلها الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة عجوز.. فذهبت حزينة وطلب النبي من أصحابه أن يلحقونها وردد قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً)، «سورة الواقعة: الآيات 35 - 37»، وأوضح لأصحابه أن الجنة يدخلها الإنسان في أحسن صورة وفي سن الشباب.
وقد حذر صلى الله عليه وسلم من كثرة الضحك والمزاح الذي يورث القلب قسوة ويفقد المرء وقاره وهيبته قال: «كثرة الضحك تميت القلوب».