دنيا

«عودة الروح» إلى كبار السن في مركز السعادة

أحمد النجار (دبي)

الحديث مع كبار السن، يشعرهم بالثقة، خاصة عندما يشعرون بأن الطرف الآخر، ينصت باهتمام إلى تفاصيل صغيرة عن ماضيهم، فهو تاريخهم العظيم الذي يعتزون به، ومنهم عبدالعزيز عباس القصاب، الذي وصف مركز سعادة كبار السن التابع لهيئة الصحة في دبي بأنه «بيته الثاني»، وقال إنه يقضي أياماً رمضانية تسر قلبه وبعد كل هذا العمر، لا يجد شيئاً أثمن من العافية، مشيداً بالقيادة الرشيدة، التي توفر هذه المجالس وتحث على تحقيق «السعادة» لكل أفراد المجتمع، خاصة فئة كبار السن، ويتجلى ذلك في الأنشطة والرحلات وأجواء البهجة التي تغمرهم طوال العام.
وأضاف: نحظى بالكثير من الاهتمام، ونطمع في رحلات سياحية أكثر لنرى ونتنفس ونتفسح في ربوع إماراتنا الحبيبة، لنعيش ملامح التطور الذي فاتنا، فهناك معالم حضارية وأماكن سياحية ازدهرت في الوقت الحاضر، لم نرها في حياتنا بعد.

مودة عائلية
فلسفة السعادة في عيون المسنّ، تكمن خارج الأماكن المغلقة، فهو يرى نفسه مثل الطائر يرفض الأقفاص، ويهوى التحليق في كل مكان، حيث تعتبر شمسة محمد جمعة، أن رمضان شهر فرحة وأجواء روحانية كلها خير ودفء ومودة عائلية، وتجد تسلية في حضور أعراس ومناسبات اجتماعية وارتياد أماكن تضج بالفرح والترفيه، ويستمتعون بممارسة أنشطة محببة وهوايات قديمة، تجمعهم أمنية واحدة هي دوام العافية بحياة طيبة وعيش كريم.
وتجيد شمسة حرفاً يدوية وتراثية عديدة، مثل صناعة «الرحى» و«التلي» وصبغ الثياب «و«السقا» و«الخوص»، وتستمتع حين تشارك في مهرجانات تراثية لتعليم الطلاب والشباب بفنون وأسرار تلك الحرف الشعبية. وتتذكر القصص، التي شعرت فيها بالسعادة في المركز، حيث تستمد سرورها من اهتمام عائلتها بها، وتفرحها اللمّة والتواد والاهتمام، وتفرح بالهدايا خاصة تلك التي ترتبط بالمناسبات، مثل حق الليلة ويوم الأم.

حلم الزواج
«زرنا القرية العالمية، ومسافي ونادي الضباط، وصعدنا الطابق 124 في برج خليفة، وقصدنا جامع الشيخ زايد بأبوظبي، ونتمنى أداء العمرة في الحرم المكي».. أحلام صغيرة تراود كبار السن، ومنهم محمد شريف المقيم الدائم في المركز، منذ 3 سنوات، الذي يحلم بالزواج.. وقال إنه لم يكن محظوظاً بالارتباط، فكل الفرص في حياتي باءت بالفشل لسبب أو لآخر، رغم أني أحببت أكثر من 4 مرات، لكنني مؤمن بأن الزواج قسمة ونصيب، وقد ارتضيت به، ولا زلت أحلم به وأفكر بالشريكة.
مركز سعادة كبار السن التابع لهيئة الصحة في دبي، ينظم الملتقى الرمضاني الخامس، تحت شعار«نسعد ببركم»، والذي يشهد أجواءً أسرية حميمية تجسد أرقى معاني البر والتواد واحترام الكبير وتوقيره، حيث يحرص عديد من الأهالي على زيارة ذويهم، لتناول وجبة الإفطار معهم، ومؤانستهم طوال ليالي الشهر الكريم، فالهدف من جوهر الملتقى دمج كبار السن في المجتمع، وإيجاد مساحة دافئة من الود والتواصل لمجالسة كبار السن، ومسامرتهم بطيب الكلام والاهتمام وبث مشاعر الحب لرسم البهجة في نفوسهم.

محاربة الزهايمر
ولفتت الدكتورة سلوى السويدي مديرة المركز إلى أن الملتقى الرمضاني يبدأ من بعد صلاة التراويح حتى منتصف الليل، ويشمل باقة برامج بمحتوى ترفيهي وثقافي وديني، بما يتناغم مع احتياجاتهم واهتماماتهم ويغمرهم بالفرح والخير وراحة البال، وتشمل محاضرات دينية ونصائح صحية يلقيها أطباء وورش عمل لإدارة التغذية السريرية لتوعيتهم بالالتزام بالغذاء الصحي في رمضان، إلى جانب أنشطة ترفيهية تتمثل بإشراكهم في ألعاب تراثية وتشجيعهم على لعب الشطرنج بصفتها لعبة مفيدة لمحاربة الزهايمر، كما تساعد على تنشيط الذاكرة وتعزيز قدراتهم الذهنية.

إقامة المسنّ
ويهتم المركز بدعم ورعاية هيئة الصحة بدبي، بابتكار برامج وأنشطة تستهدف إسعاد كبار السن، ورعايتهم صحياً وعلاجهم طبياً، ويتفنن في رسم برامجه وأنشطته لملامسة احتياجاتهم الصغيرة، وإغناء يومياتهم بأوقات غامرة تجلب الفرحة والتسلية والسلام النفسي، حيث أشارت الدكتورة سلوى إلى أن الرعاية الصحية بالمركز، تصنف بين فئة المراجعين للعلاج، الذين يترددون على المركز من وقت لآخر بحسب جداول زياراتهم، ويأتون بصحبة ذويهم ثم يغادرون فور انتهاء جلساتهم، والفئة الثانية هم المقيمون الدائمون من مواطني إمارة دبي، والذين يشترط عدم وجود أقارب لهم من الدرجة الأولى من الأبناء، حيث يتم توفير كافة أنواع الرعاية الطبية والتمريضية وخدمات النظافة الشخصية والتغذية الصحية والتأهيل النفسي، وتأمين الاحتياجات الاجتماعية ودمجهم بالمجتمع من خلال برامج وأنشطة مستدامة تقام على مدار السنة، وإشراكهم في أجواء المناسبات الاجتماعية كالأعراس والاحتفالات الوطنية والتراثية، وتأمين حوائجهم مثل الملبس وكسوة العيد والأكل والأدوية، وإشعارهم بأهميتهم في الأعياد الدينية.

تبرعات ومبادرات
«الاتحاد» زارت المركز في منطقة الممزر، لتناول وجبة الإفطار مع كبار السن، ومشاركتهم بهجتهم وأجواءهم الروحانية، واستمعنا إلى أحاديثهم التي عرجت إلى الماضي الجميل، وعبروا عن أمنياتهم بدوام الخير ونعمة الأمان للإمارات، معتبرين بأن الازدهار والتطور الذي وصلت إليه الإمارات اليوم، إنما هو نتاج مثمر عن «رحلة الاتحاد» التي غرسها زايد في وجدان جيل بعد جيل. وذكرت مديرة المركز أن المركز، يمثل منصة مفتوحة لاستقبال التبرعات والمبادرات الخيرية سواء عينية أو مادية، والمتطوعون وخاصة طلاب الجامعات الذين يجدون متعة كبيرة في إنفاق ساعات تطوعية التي تفرضها عليهم الجامعات كجزء لخدمة المجتمع وتعزيز الانتماء الوطني، حيث يعتبرون المركز مقصداً ملهماً لفعل الخير وتحصيل خبرات وكسب منافع معرفية وقدرات ذهنية، ويتم استثمار مواهبهم وطاقاتهم في مجالسة كبار السن كل بحسب هواياته واهتماماته.
وتفخر مديرة المركز بلقب الملكة، الذي يناديها به كبار السن، 6 سنوات، وهي تثابر من أجل إسعادهم، وتعتبرهم «بركة المجتمع»، وبطبيعتها تحب كبار السن، حيث تشدها الشفقة تجاههم، وتومن بأن هناك دائماً ثمة أملاً في كل مسن، مثلما هنالك ألف طريق ومجال لمساعدته وتحسين نوعية حياته، على الأقل ذلك ما يمليه عليها جوهر تخصصها وهي استشارية الأمراض الباطنية وطب المسنين، لكنها تعلمت من مهنتها كطبيبة مسنين، أن تنظر إليهم برؤية شمولية وعاهدت نفسها أن تكون سبباً في فرحتهم، لتحسين قدراتهم الذهنية والحركية وتلمس احتياجاتهم النفسية وملء فراغهم الوجداني والعائلي وتوفير نمط عيش أفضل، ونعلم بأننا لن نكون سبباً في إطالة العمر، لكننا قادرون أن نمنحهم حياة جيدة تضاف إلى عمرهم.

خبراء التراث الشفاهي
قالت مدير مركز سعادة كبار السن إنه يمكن استثمار المسنين، كخبراء لتوثيق التراث الشفاهي والاستفادة منهم كمراجع ورواة لاستلهام الخبرة والمعرفة والعبرة والحكمة لإفادة الأجيال الحالية والمقبلة.. موضحة أن أغلب كبار السن أصحاب مهن مندثرة وحرف تراثية توشك على الزوال، فيمكن الاستعانة بهم في تعليم طاقات شبابية جديدة تمسك راية التراث وتجدد إحياءه وتعيد إنتاجه وتستعيد بريقه.
وأضافت: البعض يحبون لعب دور الناصح للأطفال والشباب، ويتم توفير هذا الدور النفسي لهم لتقديم خبراتهم ومعارفهم، بما ينعكس إيجاباً على صحتهم نفسياً وانتعاشهم ذهنياً.

مساء عام 1972
علي خليل جاسم، 77 عاماً، قال إنه حظي بقراءة نسخة من صحيفة «الاتحاد» فور طباعتها الساعة 12 مساء في عام 1972، وذكر بأنها كانت تضم 8 صفحات تتصدرها صورة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأخبار عن افتتاح بعض المشاريع بأبوظبي، وكان علي يعمل نجاراً في بلدية أبوظبي، ويجد سعادته في الإفطار الجماعي واللمّة العائلية، متمنياً أن تعمّ رسالة الأمل والخير، ونعمة الأمان في عام زايد لكل المقيمين على أرض الإمارات.