دنيا

أيها المؤمنون اجتنبوا سبيل الشيطان.. فهو عدوكم

أحمد محمد (القاهرة)

نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن اتباع سبيل الشيطان، لأنه يسعى هو وجنده، في الدعوة إلى سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان والبدن وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، وهذا النداء من الله استفتحه بهذه الخصلة العظيمة التي تدل على شرف الإنسان وعلوِّ مكانته وهي صفة الإيمان به، وتشويق لأهل الإيمان أن يلتزموا شرع الرحمن، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى? مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، «سورة النور: الآية 21»، وقد جاء ذكر خطوات الشيطان في أربعة مواضع من كتاب الله كلها بصيغة النهي عن اتباعها (... لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ...).
قال الطبري، يقول تعالى للمؤمنين يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه، ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا وإذاعتكم لها فيهم وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، وهي الزنا، والمنكر من القول، ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تطهر منكم أحد أبداً من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهر من يشاء من خلقه.
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة النهي عن اتباع سبيل الشيطان، وهو النهي عن الشر والبلاء كله، فالشر كل الشر في متابعة الشيطان، والخير كل الخير في اتباع سبيل الرحمن، ولن تجد من العبد معصية انتهك بها حدود الله أو أصاب بها محارم الله إلا وجدت الشيطان داعياً إليها، محبباً إياها ومقرباً منها.
وقال ابن كثير، يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، طرائقه ومسالكه وما يأمر به، وهذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها، قال ابن عباس، خطوات الشيطان، عمله، وقال عكرمة: نزغاته، وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان، وسأل رجل ابن مسعود، فقال: إني حرمت أن آكل طعاماً وسماه، فقال: هذا من نزغات الشيطان، كفّر عن يمينك وكُل، وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده، هذا من نزغات الشيطان وأفتاه أن يذبح كبشاً.
ثم قال تعالى: (... وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى? مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً...)، أي لولا أن الله يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة، لما حصّل أحد لنفسه زكاة ولا خيراً، ولكن الله يزكي من يشاء من خلقه، ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي، والله سميع لأقوال عباده، عليم بمن يستحق منهم الهدى والضلال.
وقال أبو بكر الجزائري، وهذه منَّة أخرى، وهي أنه لولا فضل الله على المؤمنين ورحمته بحفظهم ودفع الشيطان عنهم ما كان ليطهر أحداً، وذلك لضعفِهم واستعدادِهم الفطري للاستجابة لعدوهم، فعلى الذين شعروا بكمالهم، لأنهم نجوا مما وقع فيه عُصبةُ الإفك من الإثم، أن يستغفروا لإخوانهم، وأن يقللوا من لومهم وعتابهم، فإنه لولا فضله عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه إخوانهم، فليحمدوا الله الذي نجاهم، وليتَطامنوا تواضعاً لله وشكراً له، فمن شاء الله تزكيته زكَّاه، وعليه فليلجأ إليه وليطلب التزكية منه، وهو تعالى يزكي من كان أهلاً للتزكية، ومَن لا فلا، لأنه السميع لأقوال عباده، والعليم بأعمالهم ونياتهم وأحوالهم، وهي حال تقتضي التضرع إليه والتذلل.