دنيا

مجالس البيوت الرمضانية.. ترسخ قيم الولاء والانتماء

أشرف جمعة (أبوظبي)

في كثير من البيوت تجد المجالس الملحقة بها تضج بحركة الزوار في شهر رمضان المبارك، فهي ملتقى البهجة للصغار والكبار إذ يعمرها العديد من فئات المجتمع، حيث يجتمعون فيها بشكل يومي بعد صلاة التراويح ساعة أو ساعتين، وهو ما يجعلها تفيض بالحكمة واستعادة ذكريات الماضي والسفر إلى حياة الآباء والأجداد، فهي تذكرهم بماضيهم التليد، وتستحضر في الوقت نفسه جملة القيم والتقاليد والعادات الإماراتية الأصيلة، ما يجعلها واحة للصغار يكتسبون من خلالها قيم الولاء والانتماء للوطن ولقادته الكريم من ثم احتضان هذه الفئة من خلال الكبار الذين يرحبون بهم في هذه المجالس.
وعلى الرغم من أن مجالس البيوت قديمة في كل إمارات الدولة، فإنها لا تزال تنشط في هذه الأيام المباركة، وتقوم بدورها في تعميق العلاقات بين الأهل والجيران والأصدقاء، سواء كانت هذه المجالس للرجال أوالنساء، كما أنها تقوم بدورها الاجتماعي في أيام عيد الفطر، حيث يستقبل فيها الجميع التهاني بهذه المناسبة الدينية الكريمة.

بساط المحبة
ويقول الباحث في التراث الشعبي الدكتور راشد المزروعي: «مجالس البيوت في البيئة الإماراتية قديماً وحديثاً هي من جملة التقاليد المتوارثة، فهي المكان الذي يلتقي فيه الأهل في رمضان، ويستقبلون الأصدقاء والجيران والأصدقاء على بساط المحبة»، لافتاً إلى أن أهم يميز هذه المجالس أنها بمثابة مدارس حقيقية إذ تشيع جوانبها بالألفة والمعرفة والتضافر والتمساك والارتباط العائلي والمجتمعي في صورة راقية دالة على أن الناس في الماضي عاشت في أجواء حميمية، وتذكرت تراثها بصورة مقاربة عبر هذه الجلسات التي كان الكبار في الماضي يتصدرونها بحكمتهم البالغة، ويتحدثون في بساطة، ويفسحون المجال للآخرين للحديث وقول الشعر وتداول الحكايات القديمة والسؤال عن أحداث وحقائق.

عادات وتقاليد
ويرى المزروعي، أن المجالس الرمضانية داخل البيوت لا تزال موجودة على النسق القديم في العادات والتقاليد، وأن الناس يحتفون بها وهم يحتسون القهوة ويتسامرون، وتغلب عليهم تلك الروح الأليفة التي توحد بين أبناء العائلة الواحدة وبين أبناء الفريج الواحد وبين الجيران بوجه عام والأصدقاء، فهي مجالس علم ومجلس يأنس فيها الناس ببعضهم بعضاً في رحاب الشهر الكريم، مشيراً إلى أن الشباب يحضرونها ويحضرها الصغار، وهو ما يجعلها بمثابة الحصن الحصين الذي يزود الأبناء بالقيم المجتمعية المتوارثة ويهيئهم للمستقبل بحيث يستفيدون من تجارب الكبار، وأنهم حين يجدونها على هذه الشاكلة من التآلف والتقارب، ومن ثم إعطاء الفرصة للكبار لكي يدلو بدلوهم يتعلمون أنه حين يتحدث الأكبر سناً فإنه واجب علي الأصغر أن يستمع وينصت في احترام.

أجواء المحبة
ويبين رئيس مجلس إدارة هيئة الفجيرة للسياحة والآثار الدكتور أحمد خليفة الشامسي، أن مجالس البيوت متعارف عليها في كل إمارات الدولة، وأنها موجودة من زمن بعيد، وأنها تزداد بهجة وتألقاً في شهر رمضان الفضيل، وأن هذه المجالس، وإن كنت للألفة والسمر فهي مدارس للتعليم، حيث يتحدث أصحاب الخبرة من كبار السن عن تجاربهم مع الحياة وما اكتسبوه خلال سنوات عمرهم المديدة من حكمة، وهو ما يجعل العادات والتقاليد تفوح في هذه الأجواء التي تفيض بالألفة الغامرة، فهي ليست مجالس لتناول القهوة وبعض الأطعمة، لكنها تعبر عن أجل المظاهر الاجتماعية المعروفة في الإمارات منذ سنوات فقد كان يحرص على إقامتها الكبار في أجواء مشبعة بالصفاء والمحبة واليوم يجني أبناء الدولة ثمرتها، لافتاً إلى أن الشباب يترددون على مجالس البيوت الخاصة بالأقارب والجيران والأصدقاء، ويستقبلون في مجالس الأهل كل عزيز وغالٍ، وأنهم وصلوا إلى هذه المرحلة من الحرص عليها من خلال ما اكتسبوه في طفولتهم الناجزة. وأشار إلى أنه هكذا تتفاعل الأجيال مع مورثاتها الحضارية والإنسانية، وتتعرف إلى طبيعة الحياة قديماً، ومدى أهمية إحياء الموروث بشكل متقارب، موضحاً أنه لا تزال تذكر الخروفة في هذه المجالس، وأن الكبار ينقلون خبراتهم للأجيال الجديدة إذ يغلب على هذه المجالس الجانب الأخلاقي، وأنها لبنة في تماسك المجتمع، تؤكد قوة العلاقة بين الجيران وبعضهم بعضاً وبين الكبار والصغار كنوع من تواصل الأجيال، ودليل على استحضار القيم الأصيلة التي تجعل الجميع يحترم تاريخ الأجداد، ويمضي على الدرب خصوصاً أن شهر رمضان له فضل في إحياء هذه المجالس بشكل يومي، كما أنها تزدهر في عيد الفطر، ويستقبل الناس فيها الضيوف، وتعم البهجة بالجلوس فيها، ومن ثم تقديم تهنئة العيد وقدمه.

موروث شعبي
فلاح بن بشر، مستشار تراثي بنادي تراث الإمارات قال: «تربى الجميع على أخلاق المجالس الملحقة بالبيوت والتي تفوح بالألفة وتدل على الترابط الاجتماعي، وتساهم في تعزيز الارتباط بالقيم والتقاليد الأصيلة، وهو ما يجعلها في رمضان واحة ظليلة واستراحة يومية يأنس من خلالها الناس مع بعضهم بعضاً»
وأكد أن مجالس البيوت التي تنشط في شهر رمضان الكريم من العادات المتوارثة، وأنه بعد صلاة التراويح يتنقل من مجلس لآخر، بحسب ما يضع في ذهنه للزيارات، حيث يلتقى بالجيران في مجالسهم، ويستقبل الأهل والأصدقاء والجيران في مجلسه».
ويرى أن الأسر أيضاً تجتمع فيها وأنه من المتعارف عليه أن هناك مجالس للرجال وأخرى للنساء، وأن هذه المجالس تعبر عن الكرم الإماراتي الأصيل، وأن الشعراء يلقون قصائدهم التي تتعلق بفضائل شهر رمضان المبارك، وليس هذا فحسب بل يتبادل الحضور الأبيات الشعرية التي تعبر عن الحكمة لشعراء مشهورين في الدولة، وبخاصة الشعر النبطي الذي يعد شريان الحياة القديمة ولوحة الحاضر، لافتاً إلى أن مجالس البيوت تعمر بشكل أكبر في رمضان، وأن لها دوراً كبيراً في ترسيخ الكثير من القيم المجتمعية، ودور أيضاً في تعميق الصلة بالموروث الشعبي الإماراتي، وأن الكبار يستفيدون منها والصغار أيضاً، ويجد الشباب فيها سلوتهم إذ تحقق وجودهم وكيانهم في المجتمع، ويوضح أن أهم ما يميز المجالس الرمضانية أنها تجسد معاني الولاء والانتماء للوطن.

حب الوطن
وترى مستشارة البحوث في الأرشيف الوطني الدكتورة عائشة بالخير أن مجالس البيوت إرث تاريخي في الدولة، وأن الحفاظ عليها بكينونتها القديمة أمر ضروري للتعاطي مع الموروث الشعبي في أجل صورة، خصوصاً أن هذه المجالس بهيئتها الحالية هي ملتقى يومي في شهر رمضان المبارك، حيث تعقد المجالس وتمتلئ بالأقارب والجيران والأصدقاء، وتلتقي فيها الوجوه على المحبة الفياضة والتجانس وتبادل الاحترام وفتح منافذ للحوار، وأنها اعتادت هذه المجالس منذ الصغر في بيت العائلة الذي اكتسبت منه كل القيم الموروثة، وأنها وجدت في هذه المجالس التي تفتح أبوابها، خاصة في شهر رمضان للجميع، تعبيراً عن طبيعة المجتمع الإماراتي، ومدى تمسكه بقيمه وعاداته وتقاليده، خصوصاً أنها تضج في هذه الأيام المباركة بسيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي لا يغيب عن الذاكرة، وأن «عام زايد» يرسخ لهذه المجالس ويطيبها بجلسات السمر، وتجديد العلاقات الاجتماعية، واستحضار الموروث الشعبي بصورة أوسع، ومن ثم تدعيم الصغار والشباب، وبث فيهم روح هذه المجالس الرمضانية التي تمثل جزءاً من موروث شعبي أصيل.
وأوضحت أن الحياة الإماراتية تتميز بأنها نسيج متقارب يجمع قيم الماضي على أرض الحاضر، وأن الشخصية الإماراتية تنضج في هذه الأجواء العامرة بالتمسك بمعاني القيم والولاء للوطن ولقادته الكرام، وأن المجالس الرمضانية داخل البيوت مظهر مهم من مظاهر البيئة الإماراتية، وأن الكثير من عائلتها، وبعض إخوتها يفتحون أبواب مجالسهم في هذه الأيام المباركة كنوع من التعبير عن حب الوطن ورموزه الكرام.