دنيا

محمد الغفلي لـ «الاتحاد»: رمضان في جاكارتا روحانية خالصة

الوجود بين الأهل والأصدقاء عادة تسعد محمد الغفلي في رمضان

الوجود بين الأهل والأصدقاء عادة تسعد محمد الغفلي في رمضان

نسرين درزي (أبوظبي)
تحدث محمد الغفلي سفير الدولة لدى جمهورية إندونيسيا عن طقوسه في شهر رمضان بكثير من التأمل، وذكر أن أهم ما يحرص عليه خلال الشهر الفضيل مزاولة مهامه الدبلوماسية كما العادة لأن العمل عبادة، وأشار إلى أن هذه الأيام تعيده إلى زمن بعيد يوم كان طفلاً يترقب ولادة الهلال وفرحة الاستيقاظ وقت السحور.. وقال: «إنه شعور دافئ يتجدد سنوياً وتتجدد معه روحانيات العبادة وصلاة التراويح وتلاوة القرآن طلباً للغفران في شهر الخير والراحة النفسية والتكافل الاجتماعي».

أجواء روحانية
في بداية الحوار لفت السفير إلى الاحترام الكبير الذي يكنه الشعب الإندونيسي لدولة الإمارات حكومة وشعباً وإلى العلاقات الأخوية التي تجمع بين الدولتين. واعتبر نفسه محظوظاً بالعمل كسفير في جمهورية إندونيسيا لكونها أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان. «هنا أعيش أجواءً روحانية طوال السنة وما أجمل أيام رمضان ولياليه في جاكارتا المكتظة بالصائمين المتعبدين طوال اليوم ممن يؤدون شعائر رمضان بطريقة جميلة».. وحرص السفير على تقديم التهاني والتبريكات بالشهر الفضيل من جاكارتا إلى القيادة الرشيدة وإلى شعب الإمارات.

الأكثر طمأنينة
عن يوميات السفير محمد الغفلي في شهر رمضان، يخبرنا بأنها الفترة الأجمل من السنة والأكثر طمأنينة بالنسبة إليه.. وقال إنه ليس من الأشخاص الذين يعانون الصداع في أوائل أيام الصوم، وخصوصاً عندما يكون في إندونيسيا لأن عدد ساعات الصيام فيها قليل نسبياً مقارنة بدول أخرى عاش وعمل فيها سابقاً.
ولا يفوت السفير فرصة إلا ويعلن فيها عن مدى ارتياحه بالوجود في جاكارتا، مشيراً إلى أنه بالرغم من كونه بعيداً عن البلاد إلا أن الإمارات حاضرة دائماً في يومياته. وقال: «إن مائدتنا الرمضانية لا تخلو أبداً من الأطباق التقليدية التي اعتدنا عليها بين الأهل والأصدقاء.. وإفطاراتنا تتزين يومياً بالهريس والثريد واللقيمات. وهذه الأصناف مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالشهر الكريم ووجودها على الطاولة له خصوصية تجمع الماضي بالحاضر في مشهد مريح».
ومع أن السفير الغفلي يفضل الوجود مع أفراد الأسرة على موائد رمضان وفي جلساته المسائية، إلا أن طبيعة عمله تفرض عليه تلبية الدعوات من باب تبادل اللقاءات والواجبات الدبلوماسية والاجتماعية. «وبالنظر إلى المجتمع الإندونيسي الذي تكثر فيه دعوات الإفطار، فإنه من النادر أن تجتمع أسرة بمفردها على مائدة رمضان.
ومن هنا تتم وبكل سرور تلبية كل الدعوات الرسمية من الجهات الحكومية والبعثات الدبلوماسية». وفي المقابل تنظم سفارة الإمارات في جاكارتا سلسلة إفطارات تكريمية يدعى إليها أعيان من الجمهورية الإندونيسية وسفراء وأصدقاء الإمارات الموجودين في جاكارتا ومحيطها.

فرحة طفل
بالعودة إلى ذكريات الطفولة في رمضان مقارنة بالزمن الحاضر، اعتبر السفير محمد الغفلي أنه من غير العدل التفضيل بين الأمس واليوم، إذ إن طبيعة الحياة اختلفت، ولاسيما أن وسائل الرفاهية المتوافرة حالياً لم تكن متاحة للجيل السابق ولاسيما تكييف الهواء.. اهتمامات الناس اختلفت وكذلك انشغالاتهم وتأثير العصرية على يومياتهم. «رمضان له الكثير من الذكريات التي تسعد النفس، وأنا مازلت أذكر كيف كنا نتحرى رؤية هلال رمضان وكم كانت فرحتنا كبيرة بالتجمع حول مائدة الإفطار وكيف كنا صغاراً نهرول مسرعين لأداء صلاة التراويح وكذلك فرحة الاستيقاظ لتناول وجبة السحور».
وبالعودة إلى الزمن الجميل، ذكر السفير أنه بدأ بالصيام في الثامنة من عمره وكان في ذلك الوقت يشعر بالفخر تجاه الأهل والأقارب بقدرته على التوقف عن الطعام. «كنا أطفالاً نتحدى بعضنا بصيام شهر رمضان كاملاً. وكان يجمعنا توزيع الأطباق على الجيران واللعب في الفريج وتذوق الحلوى والأحاديث البريئة».

الإحساس بالغربة
يعيش السفير محمد الغفلي رمضان اليوم بروحانية ومثابرة على العمل والعبادة، وبالنسبة له فإن قضاء الشهر مع الأسرة والالتفاف حول مائدة واحدة من المشاهد التي يفقدها مثله كمثل جميع العاملين بالسلك الدبلوماسي في الخارج، ولذلك فإنه يحرص على صيام جزء من الشهر في الدولة ليكون محاطاً بالأسرة والأصدقاء. أما أمسيات رمضان التي يمضيها في جاكارتا فيحاول أن يتواجد فيها على موائد الإفطار مع أفراد البعثة والمواطنين المسافرين إلى إندونيسيا لتخفيف الإحساس بالغربة. وبالنسبة له فإن طبيعة العمل الدبلوماسي تبعد الشخص عن تفاصيل صغيرة يحب أن يعيشها مع أسرته في رمضان ولا يمكن أن يعيشها في بلد مقر العمل الدبلوماسي.
وقال: «مع ذلك لابد من التأقلم مع طبيعة العمل والإبقاء على التواصل مع الأهل والأقارب وإن من خلال الهاتف والشبكات الاجتماعية». وأورد السفير أنه في أول رمضان مر عليه خارج الدولة شعر بغربة موحشة لكنه مع مرور السنوات أخذ يعتاد على الأمر، ويتكيف مع طبيعة العمل الدبلوماسي.
وذكر السفير محمد الغفلي أن التكنولوجيا ساعدت كثيراً في تقريب المسافات ومن الضروري الاستفادة منها. وإذا كانت الشعائر الدينية لم تتغير في رمضان، فإن الاختلاف ناتج حتماً عن تبدل أنماط الحياة، ففي السابق كان متاحاً للعائلة أن تجتمع يومياً على الإفطار في بيت كبير العائلة، أما الآن ومع طبيعة العمل واختلاف أوقات الدوام قد يتعذر أن يجتمع الإخوة والأخوات كما من قبل.

موائد الخير
وعن عمل سفارة الإمارات في جاكارتا خلال شهر رمضان، ذكر السفير محمد الغفلي أن الدوام الرسمي لا يختلف بالمبدأ وإنما يتم تطويع المهام الدبلوماسية بما يتماشى مع طبيعة الصيام.
وأوضح أن رؤساء البعثات يسعون عموماً في بلاد الاغتراب إلى التأقلم مع المجتمعات المضيفة بما يتلاءم مع العادات والتقاليد الإماراتية. وبما أن الجمهورية الإندونيسية دولة إسلامية محافظة، فلا داعي لتغيير أي طقوس تذكر مع دخول الصيام. فنمط الحياة هنا يتناسب مع مفاهيم الشهر الفضيل، الأمر الذي لا يبدو مماثلاً في مقر بعثات أخرى لأن البرنامج الرمضاني في دول إسلامية يختلف عما هو عليه في دول غير إسلامية.
وذكر السفير الغفلي أنه درجت العادة في السفارة خلال رمضان على تنظيم سلسلة من الإفطارات الجماعية لطاقم البعثة ومكتب التأشيرات بجاكرتا والموظفين المحليين والمواطنين العاملين والموجودين في إندونيسيا. وتتخذ هذه الإفطارات الطابع الإماراتي بامتياز حيث تقدم الأطباق الشعبية ويتفاعل المدعوون بصورة إيجابية مع البرامج التي تنظمها السفارة مثل الإفطار الجماعي وصلاة التراويح التي تقام في مسكن رئيس البعثة.
وبفضل توجيهات القيادة الرشيدة، تقوم سفارة الدولة بجاكرتا بالتعاون مع الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية ودار البر وجمعية الشارقة، بالكثير من الأنشطة الخيرية المهمة التي تعكس صورة المجتمع الإماراتي وتفانيه في أعمال الخير. ومنها توزيع التمور على الفقراء والمساكين والأيتام والعجزة، وكذلك كتب المصحف الكريم والحقائب الرمضانية وكسوة العيد.

محطتان
باريس وبلاروسيا محطتان دبلوماسيتان لا ينساهما السفير محمد الغفلي، ولاسيما أثناء وجوده فيهما خلال شهر رمضان. أقصر فترة صيام مرت عليه كانت في باريس وكان الإفطار الساعة 16:30 أي مباشرة بعد العودة من العمل. في حين أن أطول فترة صيام مرت عليه كانت في بلاروسيا، وكان الإفطار الساعة 10:30 مساءً والإمساك الساعة 2:00 صباحاً.

الأطباق المفضلة
روى سفير الدولة لدى جاكارتا محمد الغفلي، أنه مع إعلان ثبوت رؤية هلال رمضان يبادر بالاتصال بأهله وأقاربه لتهنئتهم بالشهر الفضيل، وهو في المقابل يتلقى منهم اتصالات التهنئة، «وأكثر ما يسعدني الصور التي يرسلها لي أبنائي ويظهرون فيها حول مائدة الإفطار العامرة بما لذ وطاب من الأصناف وخصوصاً الأطباق المفضلة لدي». واعتبر السفير أن الاتصالات بالصوت والصورة قربت المسافات بين الأسر المتباعدة جغرافياً بحيث أصبح من الممكن مشاركة أجمل الأوقات على أمل لقاءات قريبة.