الإمارات

الإمارات والسعودية شراكة تاريخية نحو تحقيق أهداف مشتركة

محمد بن زايد ومحمد بن سلمان خلال زيارة سابقة

محمد بن زايد ومحمد بن سلمان خلال زيارة سابقة

ناصر الجابري (أبوظبي)

تعد العلاقات بين دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية نموذجاً إقليمياً في العلاقات الدولية، لما حققته من منجزات مشتركة خلال العقود الماضية عبر توحد الرؤى والآراء تجاه التحديات التي تواجه البلدين، مما ساهم في الوصول إلى شراكة حقيقية تشمل كافة القطاعات بفضل المتابعة الحثيثة لصناع القرار فيهما، وإيمانهم المطلق بضرورة التوحد والعمل المشترك لتجاوز العقبات وحل الأزمات.

وترسخت هذه العلاقة مع تصاعد التحديات التي مرت بها المنطقة العربية من خلال وجود التطابق التام في الآراء حول مختلف الملفات، وتشارك الدولتين الشقيقتين الدم والتضحيات من خلال عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن، والتي أكدت ما تتمتع به العلاقة من صلابة وقوة حقيقية بارتكازها على مقومات الجيرة والأخوة والعروبة والمصير المشترك.

تاريخ العلاقات

تؤكد وثائق الأرشيف الوطني حجم العلاقات التاريخية بين الإمارات والسعودية، حيث عكست البرقيات المتبادلة بين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والمغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه، بدايات العلاقة التاريخية والأسس التي ارتكزت عليها، وتتضمن عوامل الأخوة والمصير المشترك والجيرة الحقيقية، إضافة إلى الترابط والتلاحم والألفة ما بينهما، وهو ما شكّل لاحقاً أسساً متينة للعلاقة المتفردة والراسخة.

ويمتلك الأرشيف الوطني البريطاني عدداً من الخطابات المتبادلة بين الزعيمين منذ الستينيات، تعكس في مجملها عمق العلاقات والتقدير والاحترام المتبادل، والحرص المشترك على مصالح المنطقة والأمتين العربية والإسلامية، وتشير إحداها في فبراير من عام 1967 إلى قول القائد المؤسس في رسالته للملك فيصل: إنه يسعده القيام بزيارة إلى جلالة الأخ والشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، وإنه ينتظر الموعد المناسب ويتطلع إلى لقاء الملك، سائلاً الله أن يحقق أماني جلالة الملك لخدمة أمتنا العربية والعالم الإسلامي.

وتلقى الملك فيصل هذه الرسالة بحفاوة بالغة وترحاب كبير، وهو يرى بدايات بزوغ نجم إمارة أبوظبي في النصف الثاني من الستينيات والمشروع الوحدوي للراحل الكبير، ليوجه رداً مكللاً بمشاعر الود قائلاً: لقد تلقينا برقيتكم المؤرخة في الرابع من فبراير 1967، ونحن نشكر سموكم لما تضمنته من مشاعر طيبة، نبادلكم إياها، وأود أن أعرب لسموكم عن ترحيبنا البالغ بزيارتكم للمملكة العربية السعودية في أي وقت، فالبلد بلدكم والشعب شعبكم.

وجاءت عبارة الملك فيصل الأخيرة التي أعرب فيها عن عمق العلاقات بين البلدين رغم أنها كانت في طور البدايات، انعكاساً لنظرة استشرافية للمستقبل، وإيماناً عميقاً بما سيقوم به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من جهود مبذولة وعمل دؤوب، يستند إلى ركائز العمل الجاد والعطاء المستمر، وهو بالفعل ما تحقق لاحقاً من خلال عقود متواصلة شهدت ترسخ العلاقات، وارتفاع حجم مؤشرات الشراكة الاقتصادية والمجتمعية في كافة القطاعات، تجسيداً لهذه المفاهيم التي نمت بداياتها قبل الاتحاد.

وشكلت الستينيات تبلوراً للتوافق السياسي بين دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، حيث أرسل القائد المؤسس للملك فيصل، تحديداً في 28 فبراير من عام 1967، برقية قال فيها: أسعدنا كثيراً ما سمعناه من وفدنا الذي حضر مؤخراً اجتماع وزراء المالية والنفط والاقتصاد العرب في بغداد بشأن موقف وفد فخامتكم الذي يتوافق تماماً مع مواقفنا، وأضاف القائد المؤسس: أسعدنا كثيراً ما سمعناه عن التضامن والتوافق بين وفدي بلدينا، بما يؤكد صحة موقفنا، وإن ذلك يجعلنا نتطلع بكل الثقة والتفاؤل إلى مستقبل العلاقات بين بلدينا.

وجاء اتحاد دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر عام 1971 ليشكّل فصلاً جديداً من فصول العلاقة التاريخية، ومنعطفاً هاماً نحو تأصيل الروابط بين البلدين الشقيقين لمواجهة التحديات التي احتدت مطلع السبعينيات في عالمنا العربي، حيث قال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بعد زيارته للمملكة ولقائه بالملك فيصل عام 1974: إننا نعتبر هذا اللقاء الأخوي بداية للتعاون والتنسيق بين بلدينا الشقيقين في كل المجالات، ونعاهد الله على أن نسير سوياً على طريق الخير والمحبة، فيما رد الملك فيصل قائلاً: إن اللقاء الأخوي الذي تم بيننا وبين سموكم لهو بداية الطريق نحو مستقبل مشرق وضّاء لأمتنا العربية والإسلامية، وإننا سنسير سوياً تحوطنا رعاية الله، ويحدونا الإخلاص لله.

الشراكة السياسية والعسكرية

وتبلورت الأسس المتينة للشراكة في الموقف السياسي عبر سلسلة من المواقف والأحداث التي عصفت بالشرق الأوسط، حيث تبادل صناع القرار في البلدين الآراء وسبل إيجاد الحلول تجاه المتغيرات والأزمات عبر اللقاءات المشتركة بين ممثلي الوفود الدبلوماسية، إضافة إلى الاجتماعات ما بين حكام البلدين الشقيقين، والتي كانت نتيجتها التوافق التام مما ساهم في تشكيل موقف عربي خليجي موحد قاعدته الرغبة الجادة في الإعمار والبنيان وحماية الأوطان.

ويعود الموقف الأول إلى الدعم الواضح لجمهورية مصر العربية في حرب أكتوبر عام 1973، حين قال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقولته الخالدة التي رسخها التاريخ إن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي، تأكيداً على الموقف الإماراتي الواضح تجاه قضايا المنطقة، وهو ما توافق مع الموقف السعودي عبر وقف تصدير النفط للدول المشاركة ضد مصر، دعماً لروابط الأخوة العربية، مما يشكّل الموقف السياسي الموحد والراسخ بين البلدين.

وتواصلت مسيرة التنسيق السياسي المشترك وصولاً لمطلع الثمانينيات، حيث توافقت الرؤى على أهمية تشكيل مجلس خليجي مشترك للتوحد في مواجهة الأخطار المحدقة، وليشكل نواة أساسية للتوحد العربي عبر تنسيق السياسات والمشاريع المختلفة، وصولاً للتكامل الخليجي الموحّد، مما كان له الدور في الإعلان عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أبوظبي عام 1981 بحضور قادة دول الخليج إبانها، ومنهم المغفور له الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه.

وفي 11 نوفمبر من عام 1981 عقدت الدورة الثانية لاجتماع قادة دول مجلس التعاون بدعوة من الملك خالد، واستعرض المجلس الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة الخليج في ضوء التطورات آنذاك، وأعلن عزمه على مواصلة التنسيق في هذه المجالات لمواجهة الأخطار المحيطة بالمنطقة وزيادة الاتصالات بين دول المجلس من أجل درء هذه الأخطار.

وساهمت استضافة دولة الإمارات للدورة الأولى من مجلس التعاون، تلتها المملكة للدورة الثانية من المجلس، في رسم الأطر العامة لسلسلة من التوافقات والتفاهمات بين دول مجلس التعاون في المستقبل، وهو ما انعكس لاحقاً في تماسك المجلس واستمراريته وتفعيل عدد من الاتفاقيات الهامة بين شعوب المنطقة، كما بين مستويات الرؤى الوحدوية بين البلدين من خلال قناعة القيادة بضرورة الشراكة في شتى المجالات والارتقاء بها، وهو ما تم بعدها بـ 8 أعوام من خلال تجسيد مفاهيم الشراكة العسكرية في حرب تحرير الكويت.

وشاركت القوات المسلحة الإماراتية الباسلة، انطلاقاً من وفاء الدولة بعهودها والتزاماتها المؤيدة لقضايا الحق والعدل، في عملية تحرير الكويت ضمن قوات التحالف الدولي بقيادة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية بـ 3 مراحل، حيث ترافقت القوات المسلحة الإماراتية والسعودية جنباً إلى جنب في ميادين القتال، وصولاً إلى تحرير الكويت.

وفي عاصفة الحزم، سارعت دولة الإمارات بالمشاركة في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، حيث شاركت بقواتها في الحد الجنوبي بالمملكة، إضافة إلى المشاركة الميدانية في جمهورية اليمن الشقيق ضمن التحالف العربي لدعم الشرعية، حيث تشارك الشقيقان الدم والروح والبذل والعطاء، وسطرا أروع الملاحم التاريخية والبطولية في تحرير اليمن من براثن ميليشيا الحوثي الانقلابية وطردهم من معظم المحافظات اليمنية.

ولا تزال الشراكة العسكرية تسطر مثلاً ونموذجاً ملهماً في حجم الأخوة الحقيقية القائمة على الثقة المتبادلة والمشاعر الصادقة، والتآلف الذي شهدت له ميادين المعارك، ممّا يبرهن على أن شراكة الإمارات والسعودية هي شراكة تجذّرت في أعماق الوجدان بفعل التضحيات والبطولات، إضافة إلى الحقائق والوقائع.

شواهد العلاقة

وتوسعت العلاقات الإماراتية السعودية لتشمل مجالات وقطاعات متعددة، كما شملت عدداً من المبادرات المجتمعية، ففي مايو من العام 2014، وبتوجيهات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإطلاق اسم الملك عبدالله على أحد الشوارع الرئيسة في العاصمة أبوظبي، وذلك تكريماً وتقديراً لإنجازات المغفور له الملك عبدالله، ودوره الكبير في تعزيز أواصر الأخوة والترابط بين الإمارات والسعودية.

وأطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، اسم ملك المملكة العربية السعودية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود على شارع الصفوح في دبي، وذلك تزامناً مع احتفال المملكة العربية السعودية باليوم الوطني الـ86.

وفي العام الجاري، اختارت وزارة الثقافة السعودية دولة الإمارات ضيفاً شرفياً لمعرض الرياض الدولي للكتاب، تجسيداً لعمق الأواصر والعلاقات التاريخية الراسخة التي تجمع بين البلدين في مختلف المجالات، وضمن جهود التكامل الثقافي الذي يعد جزءاً من منظومة العلاقات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية القائمة والمتنامية بين البلدين والشعبين الشقيقين.

علاقات متينة

وشهدت العلاقات الإماراتية والسعودية في السنوات الأخيرة الماضية تطوراً متسارعاً في كافة المجالات، حيث أكدت الزيارات المتبادلة بين البلدين على عمق الروابط بينهما، باعتبارها علاقة نموذجية تقدم مثالاً وقدوة لما يجب أن يكون عليه التعاون العربي، كما تم التشديد على أنها تفتح المجال رحباً لتحقيق المزيد من النجاحات المشتركة في ضوء تنامي مسارات التكامل والتعاون بين الدولتين الجارتين، بما يؤهله ذلك من مجالات أوسع للتعاون البناء.

وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للدولة نهاية عام 2016، أن المملكة هي الضامن للاستقرار، والملك سلمان بحكمته وعزمه خير من نثق بقيادته للمنطقة في هذه الظروف التاريخية الدقيقة.وشدد سموه على أهمية الدور الذي تشارك به المملكة في الحفاظ على مقدرات المنطقة ومكتسباتها التنموية، وصونها مما يحيق بها من تحديات لا تلبس أن تتصاعد وتيرتها في ضوء المتغيرات الدولية المحيطة والمتسارعة، مؤكداً سموه وقوف الإمارات إلى جوار شقيقتها السعودية في كل تلك المواقف المشرفة التي تهدف إلى صون كرامة الأمة وعزتها ورفعتها على الدوام.

وتواصلت الشراكة الوثيقة بين البلدين بعدد من الزيارات التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للمملكة العربية السعودية، حيث أكد سموه خلالها أن السعودية تمثل حصناً عربياً إسلامياً منيعاً في مواجهة أي محاولات لتهديد الأمن الإقليمي، أو التدخل في الشؤون الداخلية العربية، أو العبث بمقدرات شعوب المنطقة ومكتسباتها، مشدداً على أن الإمارات تقف دائماً في خندق واحد إلى جانب السعودية.

وأوضح سموه أن التحالف الإماراتي السعودي هو تحالف يقوم على أسس ثابتة وقواعد صلبة من التفاهم والاحترام المتبادل والعمل المشترك، من أجل تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، وصيانة مرتكزات الأمن القومي العربي في مواجهة أي مخاطر أو تهديدات.

وخلال السنوات الـ 4 الماضية، تم الإعلان في عام 2014 عن إنشاء لجنة عليا مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين، وتعمل على تنفيذ الرؤية الاستراتيجية لقيادتهما للوصول إلى آفاق أرحب وأكثر أمناً واستقراراً لمواجهة التحديات في المنطقة.

وخلال مايو عام 2016 تم توقيع اتفاقية إنشاء المجلس التنسيقي السعودي الإماراتي بناء على الروابط الدينية والتاريخية والاجتماعية والثقافية، وانطلاقاً من حرصهما على توطيد العلاقات الأخوية بينهما ورغبتهما في تكثيف التعاون الثنائي.

وفي فبراير وأبريل من عام 2017، تم عقد خلوة العزم في البلدين الشقيقين، حرصاً على توطيد العلاقات الأخوية بينهما والرغبة في تكثيف التعاون الثنائي، عبر التشاور والتنسيق المستمر في مجالات عديدة، وتعزيز دور منظومة العمل الخليجي المشترك.

وفي ديسمبر من عام 2017، أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قراراً في شأن تشكيل لجنة للتعاون المشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية نص على إنشاء لجنة للتعاون والتنسيق المشترك بين الدولتين برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، نائباً للرئيس.

وتختص اللجنة المشمولة بالتعاون والتنسيق المشترك بين الدولتين في كل المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، وغيرها من المجالات التي تقتضيها مصلحة البلدين، ولها كل الصلاحيات اللازمة لتنفيذ وتسيير أعمالها، حيث تعكس اللجنة المشكلة نتاجاً للمسار الجامع والوثيق بين البلدين نحو المزيد من الشراكة الأزلية في سبيل التكامل والتعاضد الخليجي والعربي.