ثقافة

بدر شاكر السياب رحل في ليلة ماطرة ومازال شعره حاضراً

بدر شاكر السياب (1926 - 1964)

بدر شاكر السياب (1926 - 1964)

سلمان كاصد (أبوظبي)- في يوم غريب حقاً، قبل نحو خمسين عاما، كان يوم خميس، وكانت الأرض قد فتحت قلبها لاحتضان المطر والجسد، يوم عرفه البصريون بيوم “بدر السياب” ذلك الفتى الخصيبي الذي ولد في قرية جيكور قرب نهر بويب بقضاء أبي الخصيب في البصرة.
في يوم غريب حقاً بمدينة البصرة، كانت الأرض تشرب المطر، وثمة شباب يقفون مع البعض، يعلو وجوههم حزن عميق، وهم يحاذرون مطراً منهمراً بشدة، بينما كان هناك رجل مسجى في تابوته، ينظرون اليه بأسى وهدوء غريب، لا تسمع فيه إلا قطرات المطر المنهمرة بقوة.
كان ذلك يوم خميس الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1964 حيث رحل الشاعر بدر شاكر السياب.. وهذا العام 2013 هو العام الأخير الذي يكمل العقود الخمسة منذ رحيله.
الرحيل
لم ينكر بدر السياب جمالية عمود الشعر ولم يبخس حقها في ساحة الإبداع بل كان مضيفاً لنمط جديد وشكل جديد، فيه من قوة العبارة وحسن السبك ما جعله متسيداً، يضارع النمط التقليدي الذي هيمن على البناء الفني للقصيدة العربية لأكثر من ألف وستمائة عام منذ المهلهل بن ربيعة العامري حتى آخر عمالقة الشعر التقليدي ابتداء بالجواهري ونزار قباني وإبراهيم طوقان وسعيد عقل وقبلهم جيل أحمد شوقي والرصافي والزهاوي وحافظ إبراهيم والشابي. كانت حياته تلك ممتدة من “منزل الأقنان” بيت جده في عام 1926 حيث ولد حتى ذلك اليوم الغريب حقاً بمدينة البصرة من عام 1964 حيث سجي الجسد الغريب والمطر يتساقط كحبات اللؤلؤ ليبلل عيني صديقه الشاعر الكويتي علي السبتي الذي حمله من الكويت حين فارق الدنيا.
وقف الشباب يتأملون الجسد المهاجر مع المطر، وثمة صمت ودموع تذرف،
روى الشاعر حسين عبداللطيف كيف ودعه المطر، وكان أحد أولئك الشباب الشعراء الذين ودعوا بدراً في ذلك اليوم الغريب، وقف محمود البريكان وعبدالخالق محمود ومجيد الموسوي ومحمود عبدالوهاب ومحمد صالح عبدالرضا وشاكر العاشور وهم في صمت يشيعون شاعراً لم يحتف مثله شاعر عربي بالمطر كما فعل هو:
مطر.. مطر.. مطر
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
الأيقونات الثلاث
أحب بدر ثلاثاً، أمه وجيكور والمطر، تلك هي الأيقونات الثلاث التي هيمنت على قصيدته، أحب بدر أمه لفقدها وجيكور بديلها والمطر خصبها.. تلك هي ايقونات شعره فيما بين أمه وجيكور.
آه جيكور.. جيكور؟
ما للضحى كالأصل
يسحب النور مثل الجناح الكليل
ما لأكواخك المقفرات الكئيبة
يحبس الظل فيها نحيبه
أين أين الصبايا يوسوسن بين النخيل
عن هوى كالتماع النجوم الغريبة؟
أين جيكور؟
جيكور ديوان شعري
موعد بين ألواح نعشي وقبري.
وربما نتساءل حقاً.. هل أحب الشعراء أمهاتهم إلى درجة “النرفانا” حيث التوحد بالرحم الاول، ذلك ما فعله بدر شاكر السياب “في أحضان أمي” وبعده محمود درويش “في قهوة أمي”.
أبي.. منه جردتني النساء
وأمي.. طواها الردى المعجل
ومالي من الدهر إلا رضاك
فرحماك فالدهر لا يعدل
فاستعاض عنها بجدته التي أحبها في عزائه وطمأنينته والتي رحلت عام 1942:
جدتي من أبث بعدك شكواي؟
طواني الأسى وقل معيني
أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي
أوصدت قبرك دوني
فقليل عليّ أن أذرف الدمع
ويقضي عليّ طول أنيني.
في يوم غريب حقاً بمدينة البصرة كانت الأرض تشرب المطر حمل النعش، حمله شباب شعراء أحبوا قصيدته فتغنوا بأنشودة المطر وهم يذهبون حتى غرب البصرة حيث مدينة “الزبير” ومقبرتها القديمة “ مقبرة الحسن البصري” ليسجى هناك بدر بن شاكر السياب.
ويرتحل كثير من أولئك الشعراء الشباب خلف بدر بعد حين، حيث يغادرنا محمود البريكان ومحمود عبدالوهاب وعبدالخالق محمود، ويدفنون حوله في ذات المقبرة وكأنهم يحفون به في موكب مهيب من الشعر والشعراء.
تقع “عيناك” على جسر جيكور في قرية بدر ويواجهك “منزل الأقنان” حيث وصفه بدر في ديوانه الذي يحمل ذات الاسم، بيت شهد خرافة الشعر المجنون بالجمال وخرافة الطبيعة وخرافة الإنسان الذي شيد جمالاً داخل الجمال نفسه، كما يطالعك نهر “بويب” الذي اغتسل فيه بدر مما جعله يتغنى به عاشقاً.
“منزل الأقنان” و “بيت جدي” غرف من الطين متكئة على بعضها في تلاحم كأنه جناحي سرب من الطيور المهاجرة وساحة عريضة تطل عليها أبواب الغرف وثمة شبابيك من الخشب والحديد تبصر كالعيون الى الساحة وثمة سلم صخري عند مدخل المنزل تؤدي مدرجاته إلى سطح تلك الغرف حيث تشاهد “عيناك” غابات النخيل باخضرارها الآسر تمتد إلى ما لا تحده عين ولابد لك ان ترى ازرقاقاً ممتداً حتى الخليج العربي يحمل مياه شط العرب.