دنيا

أم البخاري.. رد الله على ابنها بصره بدعائها

أحمد مراد (القاهرة)

ولد الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة المعروف بـ «البخاري» في سنة 194 هجرية بمدينة بخارى، وقد فرح به أبوه وسماه «محمدا» تبركاً باسم النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وكان له أخ أكبر منه اسمه «أحمد».
وكان إسماعيل رجلاً صالحاً ورِعاً، حج إلى بيت الله، وزار قبر النبي، ورأى إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وروى عنه بعض الأحاديث النبوية، وقد أدركه الموت قبل أن يشب ابنه محمد.بعد موت إسماعيل، تكفلت زوجته برعاية وتربية وتعليم ولديها، وقامت بإدارة شؤون حياتهما أحسن قيام، وفي تلك الفترة فقد محمد بصره، الأمر الذي كدر عليها حياتها، لا سيما أن فقدان البصر قد يصرف ابنها الصغير عن طلب العلم، ويحول بينه وبين حرية الحركة والسفر بحثاً عن مجالسة العلماء.
لم تملك الأم سوى أن تلجأ إلى ربها وتتوسل بكرمه وجوده، وهي مؤمنة بقضاء الله وقدره، إذا جاء الليل، وأخلد ولداها إلى النوم، وحل السكون، تقوم فتتوضأ وتقف بين يدي مولاها باكية داعية شاكية إليه ما نزل بعيني محمد من عمى، وما نزل بقلبها من همّ، وما نزل بالبيت من حزن، وظلت على هذا الوضع لفترة طويلة، وذات ليلة قامت الأم الصابرة فصلت ودعت، وألحت في الدعاء، ثم أدركتها سِنة من النوم، وإذا بها ترى نبي الله إبراهيم الخليل - عليه السلام - يقول لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك.
استيقظت أم البخاري وقلبها يخفق من هذه الرؤيا وبشارتها ووضوحِها، وعندما أُذن لصلاة الفجر، وأيقظت ولديها للصلاة، رأت صدق الرؤيا، حيث أبصر محمد وقام يتوضأ وحده، وبكت وسجدت لله حمداً وشكراً.
بعد أيام قليلة، اصطحبت ولديها إلى مكة لأداء فريضة الحج، وكان ذلك سنة 210 هجرية، ورجعت وابنها أحمد إلى بخاري، وظل محمد هناك يطلب العلم على أيدي علماء مكة والمدينة، وبعدها تجول بين العراق والشام ومصر، وأخذ عن 1080 شيخاً، وظهر نبوغه، وتميز على أقرانه، وصار واحداً من أرباب العلم والفضل، ووصلت شهرته الآفاق، وألف المؤلفات الرائعة، وعلى رأسها كتابه «الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله وسننه وأيامه المعروف بـ «صحيح البخاري»، والذي يوصف بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله، وقد قال العالم يحيى بن جعفر البيكندي: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم.