دنيا

أم معبد.. أفضل من وصفت النبي

القاهرة (الاتحاد)

عاتكة بنت خالد بن منقذ الخزاعيِّة، كنيتها «أم معبد»، زوجها أكثم بن أبي الجون الخزاعي، أجلّها النبي ونزل خيمتها بصحراء قُدَيْد، أُوتيت من البيان شيئاً عظيماً، ووصفت النبي، صلى الله عليه وسلم في كلمات يَعجِز عن أن يقول مثلها كبار البلغاء.
هبطت على خيمتها البركة عندما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم مهاجراً ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة، فنفد زادهم وأصابهم القحط، فنزلوا عندها، ولم تكن مسلمة، وكان زوجها بالخارج يرعى الغنم، وطلبوا منها شراء لحم وتمر، فلم يجدوا عندها شيئاً، فمكثوا يستريحوا، فأخذت تراقب النبي، صلى الله عليه وسلم في أقوله وأفعاله، فسألها عن شاةٍ في جانب الخيمة هل بها من لبن قالت: هي أجهد من ذلك، فاستأذنها أن يحلبها، فأذنت له، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله، ودعا لها في شاتها، فدرت واجترت، فدعا بإناء فحلب فيه، وبدأ بأم معبد فسقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم، وقال: «ساقي القوم آخرهم شرباً»، وبقيت الشاة دهرا طويلا تحفل بالحليب.
أسر قلبها، وحلَّ به حب وتقدير لَما رأت على النبي، صلى الله عليه وسلم من صفات النبوة والتواضع الجم، والخُلق الأشم، فلامست نسمات الإيمان قلبها، وأوجب عليها أن تؤمن به وتصدقه، فأسلمت ونالت الشرف والفضل، وأصبحت من سيدات العرب وأكرمهم.
عاد زوجها من الخارج بالغنم، فتعجب لما رأى اللبن وسألها من أين جاءت به، والشاة عَزب، ضعيفة هزلى، لا حلوب في البيت، فحدثته عما رأته من النبي، فطلب منها أن تصفه، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، ولم تزر به صلعة، ليس بنحيل، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وأشفاره وطف، وصوته صحل، وعنقه سطع، ولحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت علاه الوقار، وإن تكلم سما، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأجلاهم وأحسنهم من قريب، حلو المنطق، فصلٌ لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعةٌ لا يأس من طول، وليس بالقصير، مهاب مقبول، غصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، أصحابه يجتمعون عليه ويخدمونه ويسرعون في طاعته، وما ذلك إلا لجلالته عندهم، وعظمته في نفوسهم، ومحبتهم له، لا عابس ولا مُفند، فقال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، كل الفوز من لقيه وآمن به، وفاز فوزاً عظيماً من آمن به ولم يلقه، لقد هممت أن أصحبه ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.
عاشت أم معبد بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم إلى خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان الصحابة يقدِّرونها ويعرفون لها فضلها.