دنيا

الإسلام دين الوفاء بالعهود والعقود.. حتى مع الأعداء

أحمد محمد (القاهرة)

القرآن هو المنقذ للبشرية من واقعها المرير، ففيه النور والبرهان، والمخرج لأزماتها، والحلول لمشكلاتها، الهادي والصراط المستقيم، منهج للبشر، كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيمٍ حميد، يضع الأساس لحياة الناس، وهذا نداء من الله جلَّ وعلا للمؤمنين، وأمر لهم بالوفاء بالعقود لأن أهل الإيمان هم أهل الامتثال، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى? عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)، «سورة المائدة: الآية 1».
ناداهم الله سبحانه بهذا النداء تكريماً وتشريفاً لهم، وقد أثنى على أهل الوفاء، فالإسلام دين الوفاء حتى مع الأعداء، فالواجب على المسلمين الوفاء بالعهود الفردية والجماعية بما بين المؤمنين بعضهم مع بعض، وفيما بين المسلمين والكفار.
قال الشوكاني، هذا تعميم بعد التخصيص، أي بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد ولا ينقضون الميثاق، الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالأيمان ونحوها، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه، كالنذور ونحوها، ويحتمل أن يراد بالعهد جميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه، ويراد بالميثاق، ما أخذه الله على عباده، حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذرِّ.
وقال السعدي، هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، بإكمالها وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها، وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئاً، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم، بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف وعدم التقاطع، فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها.
فالوفاء بالعهود والمواثيق من أجلّ الأمور التي دعا إليها الإسلام، وأكد ضرورة الوفاء بها، ورتب على نقضها والإخلال بها صنوف الذم والعقاب، والوفاء يختص بالإنسان، فمن فقد فيه الوفاء فقد انسلخ من الإنسانية، وقد جعل الله تعالى العهد من الإيمان، وصيّره قواما لأمور الناس، فالناس مضطرون إلى التعاون، ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء به، ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفع التعايش، فالوفاء قيمة أخلاقية عالية، لا يتمثلها إلا أولو الألباب، الذين ارتفعوا بأنفسهم، وتسنموا معالي الأمور، محافظين على أعراضهم من الخدش، فالوفاء بالعهود والمواثيق من سمات أهل الإيمان، حيث مدح الله عز وجل الوافين بعهدهم، وبيَّن أنه من صفات المتقين الصادقين، قال تعالى مثنيا عليهم: (... إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، «سورة الرعد: الآيات 19 - 21»، وتوعد الذين ينقضون المواثيق، حيث قال: «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوءُ الدار»، فالوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس.