دنيا

عفراء بنت عبيد بن ثعلبة.. أم الشهداء ورمز التضحية

القاهرة (الاتحاد)

عفراء بنت عبيد بن ثعلبة، كنيتها أم معاذ، جاهدت وصبرت وعُرفت بأم الشهداء، أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، أخلصت لله في القول والعمل، فأصبحت رمزاً للتضحية، كانت ممن يدخرون للدار الآخرة كل ما ملكوه وما عملوه وما كانوا سبباً في نتاجه أو إنجابه ابتغاء مرضاة الله. تزوّجت الحارثُ بن رفاعة فأنجبت له معاذاً، ومعوّذاً، وعوفاً، ثم تزوَّجت البُكير الليثي فولدت له إياساً، وعاقلاً، وخالداً، وعامراً، بايعوا جميعاً النبي صلى الله عليه وسلم في بيعتي العقبة الأولى والثانية.
لها عقل راجح وحكمة وبطولة نادرة، صاحبة مدرسة العطاء والبذل لنصرة الإسلام، تخرج فيها أبناؤها الذين وهبتهم للجهاد في سبيل الله، فغرست فيهم حب التضحية والإقدام، وأخذت ترفع معنوياتهم وتحضهم على البذل، حتى أصبحوا أصحاب همة عالية، وعزيمة قوية، وضربوا أروع الأمثال في البطولة، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه.
زهدت الدنيا، آمنت بالله فزادها هدى وآتاها تقواها، فجعلت الآخرة مبلغ همها ومنتهى بغيتها، وأيقنت أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى التضحية بالغالي والنفيس، فبذلت كل ما تملك من مال وجهد وأولاد، لرفع راية الإسلام، فصدقت مع الله عندما دفعت بأبنائها إلى ساحات القتال، وانطلقت معهم وأسهمت في صد صناديد قريش، وشهدوا جميعاً غزوة بدر، وأخذت تجاهد مع أبنائها حتى استشهد معاذ ومعوذ وعاقل ببدر، بعد أن قَتل اثنان منهم أبا جهل، واستشهد خالد يوم الرجيع، وعامر يوم بئر معونة، وإياس يوم اليمامة، ومضى سائر أولادها يجاهدون في سبيل الله حتى نال كل منهم الشهادة، ولم تجزع، فصبرت واحتسبت وتحلت بالرضا بقضاء الله والتسليم لأمره وفيض إيمانها به.
قال عبد الرحمن بن عوف: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة سنهما، فتمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما وقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل بن هشام؟ قلت نعم، وما حاجتك إليه؟ قال بلغني أنه كان يسب رسول الله، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، وغمزني الآخر، وقال لي مثل ما قال الأول، فرأيت أبا جهل، فدللت الغلامين عليه، فسارعا إليه وابتدراه بسيفيهما فضرباه فصرعاه، ثم ذهبا إلى النبي وأخبراه بما فعلاً، فقال لهما: أيكما قتله؟ فقال كل منهما: أنا قتلته، فهدأ النبي من روعهما، وقال لهما: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيفين، ثم قال: كلاكما قتله.