الاقتصادي

عمالقة التقنية.. خطوات حذرة نحو الاحتكار

تخيل مستقبلاً غير بعيد تتبدل فيه الخريطة التكنولوجية العالمية، فنرى «فيسبوك» يُجبر على بيع تطبيقاته مثل إنستغرام وواتس آب، وتخيل أن يأتي وقت تتحطم فيه شركة أمازون المسيطرة تماماً حالياً على أسواق البيع عبر الإنترنت، لتخوض نفس تجربة شركة الاتصالات الأميركية التي كانت مهيمنة لسنوات على قطاع الاتصالات في الولايات المتحدة (إيه تي آند تي). وهل يمكن أن تتخيل أيضاً أن يأتي وقت يتم فيه احتكار خدمات البحث الإلكتروني جوجل أو خدمات رفع الصور والفيديو يوتيوب، مثلما هو الحال مع الخدمات الحيوية مثل الكهرباء والماء.
حالياً تتمتع الشركة الأم لجوجل (الفابيت) وكذلك شركة أمازون بهامش ربح في سوق تفرضان فيه، كلاً في مجاله، السيطرة تماماً. ويرى الاقتصاديون والمؤرخون أن هذه الهيمنة والمكاسب قد تتطور إلى فئة جديدة من المحتكرين. قد لا تكون مثل هذه الشركات بعد مهيأة لمثل هذا الإجراء التنظيمي غير العادي، ولكن مع تعزيز السيطرة على أسواقهم، أصبحت النتائج السلبية جلية، كما فقد المنافسون القدرة على الابتكار.
على سبيل المثال، بعض الذين يدرسون الماضي يقارنون أمازون وفيسبوك بشركات احتكرت الأسواق في الماضي مثل «ستاندرد أويل» لإنتاج ونقل وتكرير وتسويق النفط والتي تأسست عام 1870، وفي غضون تسع سنوات فقط سيطرت على 90% من إجمالي تصفية النفط في الولايات المتحدة، قبل أن تتفكك إلى 34 شركة بحكم محكمة في عام 1911 بسبب قضايا مكافحة الاحتكار. فهناك من يرى أن التأثير السلبي لفيسبوك على المنافسين يعادل ذلك التأثير السلبي لعملاق صناعة النفط السابق على منافسيه في ذلك الوقت.
ويقول ريتشارد دو بوف، الأستاذ الفخري لتاريخ الاقتصاد في كلية برين ماور، إن كلاً من جوجل وفيسبوك وأمازون يشبهون شركة «ويسترن يونيون» العتيدة التي تحتكر عمليات نقل الأموال بنظام التلغراف.
وأضاف أن «ما كان ويسترن يونيون فعالاً فيه دائماً هو إخلاء الساحة في مجال عمله بشكل دائم، والتخلص من أي شخص كان من الممكن أن يقف في طريقه، إما عن طريق الاستيلاء أو وسائل أخرى. كان الدافع الرئيس، كما أراه، هو الهيمنة على السوق».
ومع ما تشهده الشركات الرائدة في التكنولوجيا حالياً، نجد أن شركة آبل لا تماثلهم في محاولات الهيمنة على الأسواق ولا تمثل تهديداً في الوقت الراهن لأن تصبح من المحتكرين الجدد، مثل شركة مايكروسوفت وشركة إنتل في السابق. وتعتبر آبل أكثر عرضة للاضطراب بسبب المنافسة في السوق من شركات أخرى، على الرغم من حقيقة أن آبل تتصدر عالم التكنولوجيا في الإيرادات والأرباح والقيمة السوقية.
إحدى الطرق التي تختلف بها الاحتكارات اليوم عن السابق في هذا المجال، هو عدم التصرف تماماً مثل أندرو كارنيغي (من مواليد سنة 1835 وتوفي عام 1919)، حيث ساهم في إنشاء العديد من الصناعات الكبرى في الولايات المتحدة ولكنه في نفس الوقت كان إنساني النزعة مسالماً، ينادي بتوزيع فائض الثروة على المحتاجين ولصالح الخير العام. وبرغم احتكار كارنيغي لعدد من الصناعات فإنه كان يسعى دائماً ألا يؤدي ذلك إلى إحداث أي أذى للمستهلكين أو حتى المنافسين. ولكن الوضع ليس كذلك مع بعض المحتكرين الجدد، الذين يستخدمون كافة الطرق المشكوك فيها لجمع بيانات المستخدمين وبيع كميات هائلة من المعلومات للشركات.

فيسبوك وجوجل
السبب في أن الكهرباء تأتي من احتكار مشروع هو أن بناء الشبكة أمر مكلف، ولكن دفع المزيد من خدمة الكهرباء إلى عملاء جدد ليس مكلفاً في الحقيقة. أحد شروط الحكم على الاحتكارات هو مدى تحديهم للشركات الناشئة ووضع المزيد من العراقيل أمامها.
غالباً تأتيك الكهرباء من شركات ذات احتكار منظم، نتيجة ارتفاع تكلفة بناء شبكات الكهرباء، فيما توزيع الكهرباء للمستثمرين الجدد ليس مكلفاً، والشرط الوحيد وراء هذه الاحتكارات جراء التحديات التي تواجهها الكيانات الصغيرة.
وتستحوذ جوجل وفيسبوك معاً على 73% من الإعلانات الرقمية في الولايات المتحدة. وقد لا يكون الأمر شيئاً يثير قلقكاً كثيراً، ولكن هذا النجاح يعتمد بشكل كبير على حقيقة أن كليهما أنفق الكثير من المال في بناء مراكز البيانات وملئها بالأجهزة والبرامج المصممة من قبل نخبة من المهندسين المميزين، مع وجود استثمارات في البنية التحتية بتدفق أموال لا تتناسب مع قدرة أي شركة أخرى تفكر في الاستثمار في نفس المجال.
كما أنهم يستفيدون من شيء لم يسبق له مثيل تاريخياً، وهو القدرة على جعل المستخدمين يعملون لديهم مجاناً من أجل جني المزيد من الأرباح. إن أنظمتهم تغذيها المعلومات الشخصية التي يقدمها المستخدمون عن طيب خاطر.
بالإضافة إلى ذلك، تعد وسائل التواصل الاجتماعي كنوع من الاستيلاء على الأراضي بسياسة وضع اليد، وربما يعتبر الفيسبوك أكثر المنتهكين لخصوصيات المستخدمين نجاحاً، كما يقول غلين وييل، وهو باحث في جامعة ييل وباحث رئيسي في شركة مايكروسوفت. والخدمات الرئيسية لفيسبوك لم يطرأ عليها تغير يذكر خلال عقد من الزمن، ومع ذلك فقد حصلت الشركة على أرباح إضافية كافية لشراء إنستغرام وواتس آب من منافسيها الرئيسيين.
وهناك أدلة أولية على أن حجم الدخل من الإعلانات الرقمية ينمو بشكل سريع على حساب حصة فيسبوك وجوجل. وأشارت شركة أبحاث الأسواق الإلكترونية «إي ماركيتر» في تقرير لها في مارس الماضي إلى أن نصيب فيسبوك وجوجل مجتمعين من كعكة الإعلانات الإلكترونية سينخفض للمرة الأولى على الإطلاق.
وتقول متحدثة باسم فيسبوك: «نواجه منافسة شرسة حيث تغير التقنيات الجديدة الطريقة التي يتواصل بها الناس، ففيسبوك هو جزء واحد من نظام يتضمن العشرات من برامج وأنظمة التواصل وتطبيقات مشاركة الصور والفيديو والعديد من الخدمات الأخرى. والشعبية التي يحظى بها فيسبوك لا تعادل حجم الهيمنة على أسواق التواصل، والحجم ليس ضماناً للنجاح في المستقبل».
أمازون
ويقول كيم وانغ، الأستاذ المساعد في الاستراتيجية والأعمال الدولية في كلية سوير للأعمال في جامعة سوفولك، إن امتداد وطموح أمازون يشير إلى كيف تبدو الاحتكارات في أيامه الأولى، ويبدو أن شركة أمازون مصممة على ترجمة هيمنتها في مجال البيع عبر الإنترنت إلى الهيمنة في تجارة التجزئة المادية وليس فقط الإلكترونية، وتسليم البضائع، ونحو ست صناعات أخرى.
وتمثل أمازون في الوقت الحالي 44% من مبيعات التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة، وتظهر نمواً سريعاً في الفئات التي كانت قد تعثرت فيها في السابق، مثل السلع الفاخرة والمواد الغذائية. إنها مقتنعة بأن المنافسين السابقين يتألقون كشركاء، حيث تدمج كل شيء بشكل عام من الطلب إلى التسليم، ويمكن أن تضيف في يوم من الأيام التصنيع إلى هذا المزيج.
وإذا استمر النمو السريع في أمازون عبر جميع خطوط الأعمال هذه، فمن الصعب أن تتخيل أنها لن تصبح في نهاية المطاف هدفاً للتفكك لعدة شركات أصغر.
وقال جيف ويلك، رئيس قسم الأعمال الاستهلاكية في جميع أنحاء العالم في شركة أمازون، إنه في جميع المجالات التي تعمل فيها الشركة، «تواجه أمازون منافسة كبيرة».
وأضاف ويلك: في تجارة التجزئة في جميع أنحاء العالم، حجم أعمالنا أقل من 1%، «لا أعتقد أن أي واحد من هذه المجالات يماثل لعبة كرة القدم، حيث يوجد فائز واحد فقط».

الأيام الأولى
لا يتفق الجميع على أن فيسبوك أو جوجل أو أمازون، مهما كانت قوية الآن، سوف تحتاج إلى كبح الجماح.
ويقول وانغ من جامعة سوفولك: «سيكون عدد قليل من الشركات قادرة على وضع نفسها في مجال التكنولوجيا الجديدة القادمة في كل مرة». ويضيف أن التكنولوجيا التي تمنح الشركات ميزة في نهاية المطاف تأتي في متناول منافسيها.
وفي كل صناعة تهيمن عليها الاحتكارات في التاريخ، سواء كانت نفطاً أو سككاً حديدية أو صلباً أو غيرها، استغرق حتى أكثر المنافسين جاهزية عقوداً لتوطيد قبضتهم على الأسواق. حتى مع الوتيرة الأسرع حالياً، ربما لا تزال تلك الأيام هي الأولى لعمالقة التكنولوجيا.


* الكاتب: كريستوفر ميمز

«آبل» تسيطر على حصة الأسد في الهواتف
يقول خبراء في مجال الاستثمار، إنه برغم أن شركة آبل ربما تسيطر على حصة الأسد من أرباح صناعة الهاتف المحمول، إلا أنها بالنظر إلى حجم استثماراتها في السوق ككل لا تصل إلى مرحلة الاحتكار.
«تأثير الشبكة» هو أنه عندما يصبح المُنتج أكثر فائدة كلما ازداد عدد الأشخاص الذين يستخدمونه، سواء كان جهاز فاكس أو فيسبوك. بالنسبة لشركة آبل، فإن حجم قاعدة عملائها يجذب المطورين الذين بدورهم يجعلون منتجاتها من أجهزة أيباد وآي فون أكثر قيمة.
كان لدى مايكروسوفت في وقت من الأوقات منصة ذات هيمنة مماثلة، وكان يُعتقد أن «تأثير الشبكة»، نظراً لقاعدة عملائها الضخمة وجذبها للمطورين ستساعدها على البقاء مهيمنة طوال الوقت، كما تقول كاثرين توكر، أستاذة الإدارة والتسويق في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وتضيف توكر، «لكن لدينا تأثيرات على الشبكة كلها خاطئة، وفشلنا في إدراك أنه من المرجح أن يتم تمكين الشركات الناشئة لتعطيل شركات مثل شركة مايكروسوفت. وساعدت التأثيرات على شبكة الهواتف الذكية، مثل آي فون في الحصول على شعبية بسرعة، ما أدى إلى تهميش أنظمة تشغيل ويندوز ومايكروسوفت.
حتى أن امتلاك شركة آبل لأي تيونز الخاصة بالموسيقى قد أثبت أنها لا تهيمن على هذا السوق، بل على العكس فهناك منافسة قوية من برامج، مثل سبوتيفاي وغيرها العاملة في نفس المجال.