رأي الناس

عبقرية زايد (1 - 2)

إن أول الدروس المستفادة من حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، في عام الوفاء، تتمثل في التأسي به، وتلمس القدوة الحسنة من مواقفه الباهرة، فهذا الراحل الكريم ضرب أروع الأمثلة في الحكم العادل والعمل الصالح، والمواقف التاريخية والحكمة الجليلة التي أدهشت الكثيرين في كيفية مواجهة التحديات وعلاج القضايا والمشكلات.
كان، رحمه الله ـ وجعله الله في جوار الصديقين والصالحين ـ من الذين تفخر بهم الأجيال وتسعد بهم الأوطان، وكل ذلك لارتباطه بالله تعالى، فقد كان من الصالحين بعمله ومقاله وحكمته ونبراس حياته، فما ترى أحداً على وجه البسيطة تعامل معه، أو التقى به إلا ويلمس فيه إحقاق الحق ونصرة المظلوم، والدعوة إلى الخير والسلام لكل الناس في شتى بقاع الدنيا.
في عام 1974 كنت من بين عدد من علماء الأزهر الشريف الذين تمت إعارتهم لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكان من يمن الطالع أن تزامن ذلك مع استحداث وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، عندما استقبل الشيخ زايد «رحمه الله» العلماء في أول حضور لنا إلى الدولة، ودار حوار ثري خلال اللقاء ومضت السنون، ومنذ ذلك اليوم، وفي كل يوم أرى من عطاء المرحوم المغفور له الشيخ زايد «طيب الله ثراه» ما يبهر القلوب والأبصار.
فقد كان «طيب الله ثراه» يحرص دوماً على الخير ووحدة الأمة، ولمّ الشمل وتدعيم أواصر الأخوة العربية والخليجية وتعزيز مسيرة مجلس التعاون، وقد عمل الشيخ زايد على تعزيز أجواء التسامح والمحبة والإخاء، فكان اهتمامه بوحدة الأمة كلها والسعي في نجاحها وتماسكها.
إن مآثر المغفور له الشيخ زايد لا تعد ولا تحصى لكثرة فضائله وتعدد مزاياه لأنه كان صورة كريمة للحاكم العادل، ومثلاً أعلى للوالد الرحيم، ومنارة عليا في حل المشاكل والخلافات التي تقع بين الأفراد والجماعات وكذلك الدول، وقد برزت عبقرية زايد السياسية التي مكنته من إدارة دفة البلاد وقيادة نهضتها في مواجهة ظروف غير مواتية، ومن ثم أصبح أبرز قادة المنطقة.
لقد كانت شخصية الشيخ زايد تتحلى بالتواضع الجم وإنكار الذات، وحب الناس جميعاً، ومد يد العون لهم في كل بقاع الأرض، وإرسال المساعدات في شتى بقاع الدنيا بلا منٍّ أو أذى، أو ابتغاء تحقيق مصالح من ورائها سوى مرضاة الله تعالى الذي وفقه لمساعدة خلقه أينما كانوا، وشمل الكثيرين في مجالات شتى، خاصة إكرامه العلماء من بقاع الأرض المختلفة، لاسيما استضافته كثيراً من علماء العالم الإسلامي، خاصة في شهر رمضان، واستقباله لهم وإكرام وفادتهم.
ويصعب على الإنسان مهما أوتي من البلاغة أن يوفي المغفور له الشيخ زايد حقه فيما قدمه لبلده وأمته وجيرانه وأحبائه، بل لقد امتدت آثاره إلى العالم أجمع شرقاً وغرباً، من مساعدات وإغاثات وإزالة الخلافات، وتقريب وجهات النظر حتى عرف الجميع أنه حقاً حكيم العرب بلا منازع، وسار على ذلك بتوفيق من الله أبناؤه الكرام.
وهكذا أبهرت شخصية الشيخ زايد وحكمته العالم كله، فأجمع الناس على احترام ومحبة هذه الشخصية الاستثنائية التي شكلت أسمى أنواع الوفاء من قائد الإنسانية في الخير والعطاء.
ومن هنا تنشأ العبرة بذكر تلك المعاني السامية ليتأسى بها الناس، ويقتدوا بها في حياتهم ومواقفهم، ولذلك وجب علينا أن نعلم أجيالنا الحاضرة والقادمة هذا الإرث الرائع لحياة قائد استطاع بفضل الله تعالى وتوفيقه، أن يعبر بأمته وشعبه إلى شاطئ الرقي والازدهار والتقدم العلمي والثقافي في إطار الحق والسلام ومنطق العدل والمحبة والوئام.
ويترجم إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن عام 2018 سيحمل شعار «عام زايد»، مشاعر العزة الفخر الوطني بالإرث الإنساني الذي تركه القائد المؤسس، ليفتح المجال أمام الجهود المؤسسية والبحثية والمنهجية لدراسة وتسجيل وتوثيق هذا الإرث باعتباره ذاكرة الأمة وركيزة مبادئها الأخلاقية والإنسانية، التي تستند إليها منذ تأسيس دولة الاتحاد.
ومن خلال عبقريته في التخطيط والبناء تعددت إنجازاته الحضارية والتنموية والإنسانية، ولم يكن ذلك الأمر بالهين، وإنما تحقق بالجهد المتواصل والإخلاص الكبير والسهر ليل نهار للوصول إلى هذا الصرح العظيم والتطور الحضاري الكبير، والدور الفعال على الساحتين الإقليمية والدولية.

د. محمد سليمان فرج
مستشار الفتوى بدائرة قضاء أبوظبي سابقاً