عربي ودولي

عرض وثائقي «العبودية» في نيويورك 8 يونيو

دبي (الاتحاد)

لأن الأمر لا يتعلق بالدول الخليجية والعربية التي تزعم قطر بأنها تفرض عليها حصاراً لأسباب تراها الدوحة «مجهولة»، فإن هناك ما يشبه الإجماع العالمي على سحب تنظيم مونديال 2022 من قطر، فقد جاء منح حق التصويت لقطر في واحدة من أكبر عمليات الفساد والرشى في التاريخ، وليس في تاريخ كرة القدم أو الرياضة فحسب، كما أن أوضاع العمالة التي تتولى إنشاء الملاعب والبنى التحتية للمونديال أقرب ما تكون إلى «العبودية» التي تحدث تحت أنظار العالم، وهو ما تم رصده من جانب جميع المنظمات الحقوقية في العالم، وسط تعهدات قطرية مستمرة بإصلاح أحوال هذه العمالة، ليتضح في كل مرة أن هذه التعهدات والوعود لا تختلف كثيراً عن تلك التي قطعتها قطر على نفسها أكثر من مرة بالعدول عن دعم الإرهاب والتوقف عن التدخل في شؤون الجيران.

ولأنها تمثل قوة الردع الناعمة النافذة، فضلاً عن امتلاكها تأثيراً وبريقاً إعلامياً وجماهيرياً كبيراً، يفوق في بعض الأحيان قرارات وسلطات رجالات الفيفا، ويتفوق على ضغوط المنظمات الحقوقية، بل والجهات القضائية العالمية، فإن السينما سجلت حضورها القوي على مدار العام الماضي في ملف «العبودية المونديالية»، حيث يتواصل عرض فيلم «عمال المونديال» حول العالم، وهو فيلم يمزج بين الجانب الوثائقي والدرامي ليوضح تفاصيل المأساة الإنسانية التي يعيشها آلآف العمال في الدوحة، فقد حقق الفيلم نجاحاً كبيراً في أوروبا العام الماضي، وتحديداً في مهرجان زيوريخ السينمائي في أكتوبر الماضي، وهي لفتة تتسم بالذكاء من المخرج الأميركي آدم سوبيل الذي قرر أن يبدأ عرض الفيلم على مقربة من مقر الفيفا، في خطوة رمزية يؤكد بها أنه أتى إلى سويسرا حيث مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، وهو المكان الذي شهد تصويتاً لا يحمل أدنى درجات الشفافية والنزاهة لملف قطر، كما أن الفيفا هو مقر المنظمة الرياضية الأكبر في العالم، والتي ما زالت تقف مكتوفة الأيدى في التصدي لملف العبودية المونديالية، تاركة الأمر لمنظمات حقوقية لا تملك سلطة اتخاذ القرارات التي من شأنها إحداث تغيير حقيقي على أرض الوقع.

فيلم «كأس العمال» سوف يعرض في نيويورك ولوس أنجلوس 8 يونيو الحالي، ومن المتوقع أن يحقق ردود فعل قوية في ظل حرص الصحافة الأميركية على تتبع القضايا التي تطرحها هذه النوعية من الأفلام، فالإعلام الأميركي يتأثر بقوة بعالم السينما وخاصة الوثائقية، فضلاً عن أن الرسالة التي يحملها الفيلم والذي يوفر للمتفرج نظرة من الداخل على الأوضاع المأساوية للعمالة في قطر سوف تصل إلى الآلاف في أميركا، سواء على المستوى الصحفي والإعلامي، وكذلك على المستوى الجماهيري.

واقع يفوق الخيال

الفيلم الوثائقي «كأس العمال» للمخرج الأميركي آدم سوبيل، يرصد الظروف المعيشية القاسية لآلاف العمال في منشآت مونديال قطر 2022، وقد تم عرض الفيلم في مهرجان زيوريخ السينمائي الدولي في سويسرا، أكتوبر الماضي، وسط اهتمام إعلامي وجماهيري كبير، خاصة أن الفكرة التي قام عليها الفيلم تنتمي إلى ما يسمى بدراما الواقع التي تفوق الخيال.

«دراما الواقع» ترصد حياة آلاف العمال الذين عادوا إلى زمن العبودية في «دوحة السراب»، التي تحول فيها حلم الحياة إلى كابوس يطارد الفقراء الذين أتوا من الهند وبنجلاديش وباكستان والفلبين وكينيا وغانا وغيرها من الدول التي تعاني ظروفاً اقتصادية سيئة، تدفع البعض من أبنائها للرحيل بحثاً عن نافذة أمل.

«كأس العمال» وثائقي يقوم على فكرة وصفتها الصحف العالمية بـ«العبقرية»، حيث يرصد المخرج الأميركي تفاصيل حياة 4 عمال أتوا من 4 دول مختلفة، بحثاً عن تحسين ظروفهم المعيشية القاسية، والمثير في الأمر أن المخرج تعمد المزج بين مشاركة هؤلاء العمال في دورة كروية أطلقتها اللجنة القطرية المنظمة لمونديال 2022 بالشراكة مع شركات المقاولات التي يعمل هؤلاء تحت مظلتها، وبين تفاصيل يومهم في مواقع العمل والنوم.

حيث يعاني هؤلاء في بيئة عمل قاسية، ويعيشون في أماكن معزولة، وبعيدة عن الدوحة أو غيرها من المناطق المأهولة بالسكان، مما يجعل مقر إقامتهم أقرب ما يكون إلى السجن، كما أنه عبارة عن معسكرات لا تتوفر بها أبسط مقومات الحياة الآدمية، وذلك وفقاً لما رصدته منظمات حقوقية عالمية، ولم يأت به المخرج من الخيال.

العمال الذين رصدهم الفيلم يشاركون دورة كروية، تهدف اللجنة المنظمة لمونديال قطر 2022 من وراء تنظيمها للرد على التقارير التي تدين قطر بارتكاب جرائم في حق هؤلاء العمال، ومع وميض الفلاشات التي تصور مسؤولاً قطرياً كبيراً يبتسم ويصافح العمال الذين يشاركون في الدورة الكروية يسير الفيلم في اتجاه آخر، حيث الجانب المظلم في مكان العمل، ومقرات الإقامة والسكن.

كينيث هو أحد أبطال فيلم «كأس العمال» وهو شاب يبلغ 21 عاماً جاء من غانا أرض المواهب الكروية في القارة السمراء، أتى إلى الدوحة بالتنسيق مع أحد وكلاء اللاعبين لكي يحقق حلمه باحتراف كرة القدم وتحقيق الثروة التي تحلم بها عائلته، والمفارقة أن كينيث دفع مبلغاً مالياً لهذا الوكيل لتحقيق حلمه.الشاب القادم من غرب أفريقيا حينما جاء إلى قطر لم يجد أن هناك عرضاً كروياً في انتظاره، ولأنه لا يملك المال لكي يعود إلى بلاده سعى للعثور على فرصة عمل، فكان مصيره الانضمام إلى الآلاف ممن يعملون في تشييد الملاعب والبنية التحتية لمونديال 2022، فع ذلك جبراً لا طواعية، وفي ظل معاناته من الظروف المعيشية القاسية في معسكرات العمال، وتدني الدخل المالي هرع كينيث للمشاركة في دورة «كأس العمال» لكي يحقق حلمه الكروي، ويقول للجميع إنه ليس عامل بناء بل لاعب كرة قدم مات حلمه في «دوحة السراب».

البطل الثاني في وثائقي «كأس العمال» هو أوميش البالغ 36 عاماً، والذي جاء من الهند كغيره من الملايين الذين يحلمون ببناء منزل في بلادهم، ومن أجل ذلك يضحي بالحياة مع زوجته وأطفاله لفترة زمنية طويلة، والمفارقة المبكية أنه يطلق على ابنه اسم روني تيمناً بنجم الكرة الإنجليزية الشهير، أي أنه يعشق كرة القدم، ولكنه لم يتخيل يوماً أن تكون لعبته التي يعشقها هي سر تعاسته، فقد أتى للمشاركة في تشييد ملاعب المونديال، إلا أن الظروف القاسية جعلته يكرهها و لا يطيق رؤية مبارياتها، وعلى الرغم من كل ذلك لم يتردد في المشاركة في دورة «كأس العمال».

أما بادام النيبالي فهو يعيش بين خيارين أحلاهما أشد مرارة مما كان يتخيل، فقد فعل كل شيء من أجل استقدام زوجته إلى قطر، إلا أن قوانين العمالة القاسية في قطر حالت دون ذلك، مما دفعه للتفكير في الانفصال عن زوجته والبقاء في قطر أملاً في أن يعود يوماً إلى بلاده وقد جنى بعض الأموال.

وجه آخر يشارك في دراما «كأس العمال» وهو بول الذي أتى من نيروبي عاصمة كينيا، وهو يعمل 7 أيام في الأسبوع، وقد ظهر في الفيلم الوثائقي محاطاً بالعمال الذين يواجهون نفس الظروف، ولم يكن لدى بول من حلم سوى أن يرى خطيبته، فهو يحلم بالحب في هذه الأرض البعيدة، مما دفعه للتواصل مع خطيبته عبر الإنترنت، ولم يكن للأمر من تأثير سوى المزيد من الشعور بالوحدة، والمعاناة من شعور الغربة الذي أصبح أشد قسوة جراء ظروف العمل، وتدني مستوى المعيشة في السكن، وافتقاد العاطفة الفطرية التي لا يحيا بدونها البشر.