دنيا

أم سفيان الثوري.. عملت بالغزل لتنفق على ولدها

أحمد مراد (القاهرة)

يوصف الإمام سفيان الثوري بأنه فقيه العرب ومحدثهم، ولقب بـ «أمير المؤمنين في علم الحديث»، وقال زائدة في شأنه: الثوري سيد المسلمين، وقال الإمام الأوزاعي عنه: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان الثوري، فكان عالماً شامخاً وإماماً جليلاً، وما كان ذلك إلا ثمرة أُمٍ صالحة، حفظ التاريخ مآثرها وفضائلها ومكانتها ودورها في حياة ولدها. لم يكن طريق سفيان نحو طلب العلم مفروشاً بالورود، وإنما مليء بالصعاب والعقبات والمتاعب التي تغلب عليها وتجاوزها بفضل دعم ومساندة أمه له طوال مسيرته العلمية، فقد كان لها أثر كبير في تنشئته نشأة صالحة، وتربيته على حب طلب العلم، والاشتغال به، الأمر الذي أشار إليه سفيان الثوري نفسه، قائلاً: لما أردت أن أطلب العلم، قلت: يا رب، لا بد لي من معيشة، ورأيت العلم يذهب ويندثر، فقلت أُفرغ نفسي في طلبه، وسألت الله الكفاية، يعني أن يكفيه أمر الرزق، فكان من كفاية الله له في ذلك أن قيض له أمه التي قالت له: يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
كانت أم سفيان الثوري تعمل بالغزل، وتقدم لولدها نفقة الكتب والتعلم، ليتفرغ للعلم تقدم له النصيحة والموعظة وتشجعه على تحصيل العلم، وقال وكيع بن الجراح: قالت أم سفيان الثوري له: يا بني، إذا كتبت عشرة أحاديث أو عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك؟ فإن لم تر ذلك فاعلم أنه يضرك ولا ينفعك.
واستمرت أم الثوري في مساندته والشد من أزره، وخففت عنه هموم ومتاعب ومشاغل الحياة، حتى تبوأ السيادة في العلم والإمامة في الدين، وأصبح إمام الدنيا الذي يشار إليه بالبنان.
وكانت مجتهدة في الطاعة والتعبد، زاهدة في الدنيا، لا تريد من الحياة سوى رضا الله تعالى عنها، وأن ترى ابنها من علماء الدين الأفذاذ، وذات مرة دخل عليها سفيان فلم ير في بيتها غير قطعة حصير، فقال لها: لو كتبت رقعة إلى بني أعمامك لغيروا من سوء حالك، فقالت: يا سفيان قد كنت في عيني أعظم وفي قلبي أكبر منذ ساعتك هذه، أما إني ما أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها، يا سفيان، والله ما أحب أن يأتي عليّ وقت وأنا متشاغلة فيه عن الله بغير الله، فبكى سفيان.