دنيا

زمن المساء.. وقت التسبيح واتصال الليل بالنهار

سعيد ياسين (القاهرة)

وقت المساء.. من بعد الزوال إلى الغروب، وقيل: إذا أقبل الليل بظلامه، ورد هذا الزمن في موضع واحد من القرآن الكريم بصيغة الفعل «تُمْسُونَ»، وجاء مع «الصباح، والعشي، والظهر».
ويدل على استعمال المساء من حين تغرب الشمس بعض الأحاديث، قال معاذ بن جبل، خرجنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فكان لا يروح حتى يبرد، ويجمع بين الظهر والعصر، فإذا أمسى جمع بين المغرب والعشاء.
وقال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)، «سورة الروم: الآيات 17 و18»، فذكر الله الصبح، وفيه صلاة الفجر، ثم الظهر والعشي، وهما من الزوال إلى الغروب، وفيهما صلاتا الظهر والعصر، وذكر «المساء» يدل على أنه غير وقتهما، ولم يبق من أزمان الصلوات إلا الليل، فهو المساء، وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد التسبيح في المساء صلاة المغرب، وعن مجاهد والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك بصلاتي المغرب والعشاء.
وعرّف الماوردي «المساء» بأنه بدوّ الظلام بعد المغيب، وقال ابن كثير: هو إقبال الليل بظلامه، وقال ابن عاشور: «كلمة المساء تشمل أول الليل»، وقال: «الإمساء، اقتراب غروب الشمس إلى العشاء».
وقال الفيروز ابادي لبيان معنى الآية: فصلوا لله «حِينَ تُمْسُونَ»، أي صلاة المغرب والعشاء، وقال البقاعي في «نظم الدرر»: سبحوا الذي له جميع العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو عَلَمه، فهو منزه عن كل نقص، وذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من التغير الذي هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة على الإبداع الدال على البعث، و«حين تمسون»، أي أول دخول الليل بإذهاب النهار وتفريق النور، فيعتريكم الملل، ويداخلكم الفتور والكسل، على سبيل التجدد والاستمرار.
يقول الإمام الشعراوي، في تفسيره، (فَسُبْحَانَ للَّه...)، هي في ذاتها عبادة وتسبيح لله وتعني: أُنزِّه الله عن أن يكون مثله شيء، وفي القرآن تجد أن الله تعالى مُسبَّح أزلاً قبل أن يخلق مَنْ يُسبِّحه، فالتسبيح ثابت لله أولاً، وبعد ذلك سبَّحت له السماوات والأرض، ولم ينقطع تسبيحها، إنما ما زالت مُسبِّحة لله، وعليك أيها الإنسان أن تكون كذلك مُسبِّحاً.
وفي قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...)، «سورة الروم: الآية 18»، فصلَتْ بين الأزمنة المذكورة، فجعلت (... تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)، في ناحية، (... وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) في ناحية، مع أنها جميعاً أوقات وأزمنة في اليوم والليلة، لأنه سبحانه يريد أن يُشعرنا أن له الحمد، ويجب أن تحمده على أنه مُنزَّه عن المثيل.
وتنبع أهمية التسابيح، في أنها تكسب المسلم رضى الله سبحانه وتعالى. وتجلب الرزق للمسلم الملتزم بها. وتريح القلب وتنشر الطمأنينة والراحة النفسية في قلب المسلم. كما تطرد الشيطان وتعيذ المسلم منه. وتزيل الهم والغم وتمنح القلب بهجة وسرور وتنير الوجه. وتمنح القلب الاستشعار بعظمة الخالق جل جلاله. تعيد المسلم إلى الله عزّ وجلّ، وتقرّبه منه جلّ جلاله.