ثقافة

أحمد فارس الشدياق.. جاحظ القرن التاسع عشر

أحمد فارس الشدياق

أحمد فارس الشدياق

عبير زيتون (دبي)

في كتابها «الحداثة الممكنة» تتساءل الكاتبة والناقدة المصرية الراحلة رضوى عاشور: لماذا لم يُعتبر أحمد فارس الشدياق الرائد الأول للنهضة العربية، وقد طرح من موقع متقدّم كل القضايا الأساسية، كقضايا الاستبداد المعرفي، وحرية المعتقد، والتعبير، وحريّة المرأة، وقضية العلاقة بالموروث الثقافي والعلاقة بالآخر الغربي‏؟ ولماذا أُسقط إنجاز الشدياق وقد أنتج في كتابه «الساق على الساق» النص الأدبي الأغنى والأقوى في الأدب العربي في القرن التاسع عشر؟ خاصة أنّ اللغة العربية الحديثة تدين له بمصطلحات عديدة وضعها واستخدمها فشاعت بين الناس، منها الاشتراكية، والجامعة، ومجلس الشورى، والانتخاب، والجريدة والباخرة والمستشفى والصيدلية وغيرها؟ ولماذا لم يتوقّف المغرمون بالحداثة، وما بعدها عند القيمة التجريبية المدهشة لإنجاز الشدياق وهو يضرب عرض الحائط بالقوالب الجاهزة، ويخلق نصاً يكاد يستعصي علي أيّ تصنيف مسبق بل ولاحق أيضاً؟‏! ولماذا لم يتوقف الدارسون لقضايا الاستشراق عند ما قدّمه من نقد لأفكار المستشرقين، فبقي أباً مهمّشاً لا تنسب له ذريته ولا تعرف هذه الذرية أّنه والدها؟

«صقر لبنان»
يمثل كتاب «الساق على الساق فيما هو الفارياق» للمفكر النهضوي اللبناني أحمد فارس الشدياق «صقر لبنان»، كما نعته القاص مارون عبود، و«جبار القرن التاسع عشر» كما وصفه شفيق جبري، و«صعلوك النهضويين العرب» كما يسميه الآخرون.. يمثّل محطة مهمة ومميزة من محطات الفكر النهضوي العربي، ووثبة نوعية في الأدب قياساً إلى عصر الشدياق، فهو أول سيرة أدبية ذاتية بمفهومها الحديث في عصر النهضة العربية، وطراز فريد من التأليف العربي، لا يقع حتماً في نوع من الفنون الأدبية المتعارفة، بحسب أنطون غطاس كرم.
نسج «جاحظ القرن التاسع عشر» (1801 ـ 1887م) في كتابه «الساق على الساق» أفكاره التجديدية الثائرة على كل ماهو مألوف في قضايا الإنسان، والدين، والمرأة، والمجتمع، والسياسة، والحرية والمساواة، والديمقراطية، وكل ما تفجر في شخصيته المتعددة، وما ازدحم فيها من مؤثرات ومعاناة، ومعارف مستمدة من ينابيع تأثرها بالتراث العربي من جهة، ومن انفتاحها على الفكر الغربي من جهة ثانية، فجاء كتابه في أواخر عهده في باريس مطلع سنة 1853 نقطة التقاء حضارية بين الشرقي العربي وبين الثقافة الغربية، رافدها في ذلك عقل لا يقبل المسلّمات من دون تبصُّر، وعزيمة صلبة في البحث عن نهضة عربية تليق بالتراث الحضاري العربي.

نقد التعصّب
استهل الشدياق كتابه الشهير بنقد التعصب الديني الذي يدفع الناس إلى الجهل، حسب رأيه، داعياً إلى مجتمع يتأسس على العلم والعقل، وإلى تعليم يخلق معلماً وتلميذاً جديدين فيقول: «والظاهر أن سادتنا رؤساء الدين والدنيا لا يريدون لرعيتهم أن يتفقهوا. بل يحاولون ما أمكن أن يغادروهم متسكعين في الجهل والغباوة. إذ لو شاءوا غير ذلك لاجتهدوا في أن ينشئوا لهم هناك مطبعة تُطبع فيها الكتب العربية المفيدة سواء كانت عربية أو معرّبة». والحل برأيه لهذه المعضلة في زمانه هي «بتعليم عصري»، يجمع العلوم والمعارف من (حساب والتاريخ والجغرافيا)، بعيداً عن تعليم مٌغلق قوامه لغة عربية ركيكة. مؤمناً أن تجديد الفكر من تجديد اللغة، وتجديد هذين العنصرين يفضي إلى تصور ديني قريب من الحياة. يقول الشدياق موجهاً كلامه إلى أنصار الجهل والغباوة: «أتحسبون أن الركاكة من شعائر الدين ومعالمه وفرائضه وعزائمه، وأن البلاغة تفضي بكم إلى الكفر والإلحاد. أمَا بعروقكم دمٌ يهيجكم إلى حب الكلام الجزل الفخم».
ولد المفكر والشاعر والأديب المجدد فارس بن يوسف الشدياق (اسمه قبل اعتناق الإسلام) في قرية لبنانية صغيرة تدعى عشقوت، لأسرة مارونية من الوجهاء في جبل لبنان، قبل تحوله إلى البروتستانتية ثم اعتناقه الإسلام في تونس. عاش حياته تائهاً بين المدن من لندن إلى تونس، مروراً بباريس والقاهرة، يطارد حلمه النهضوي الصعب على امتداد نصف قرن ناسجاً خلالها عالماً أدبياً خاصاً لا يشبه إلا نفسه. أتقن العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية، وكان من رواد الصحافة في العالم العربي، وأصدر في إسطنبول أول صحيفة باللغة العربية «الجوائب». وحرر أعظم معاجم اللغة العربية «لسان العرب» لابن منظور قبل وفاته (صيف عام 1887 في إسطنبول)، كما ترجم إلى العربية، إلى جانب أعمال أخرى، الكتاب المقدس.
من مؤلفاته في اللغة نقده «القاموس المحيط» للفيروزبادي في «الجاسوس على القاموس» (1881) و«سر الليال في القلب والإبدال» (1884). وفي السيرة وأدب الرحلات «الواسطة في أحوال مالطة» و«كشف المخبا عن فنون أوروبا» (1863).