خليجي 21

مواهب فطرية

جمعت ملاعب العراق العديد من المواهب الكروية من المتعلمين والأميين، وكانت الساحات الشعبية تجمع على تربتها لاعبين من مستويات مختلفة، لم تكن هناك عوامل فكرية أو ثقافية مشتركة بينهم سوى كرة القدم، لكن بعض الملاعب شهدت تفوق العديد من المواهب الفطرية في هذه اللعبة.
وكان الموهوبون يتجهون إلى الساحات الشعبية بعد انتهاء دوام المدارس ورجوع عمال البناء من عملهم كانت تلك الملاعب موعدهم ونقطة التقائهم، وكان الناس يلتفون حولهم يشجعون بحماس.
وكانت الفرق التي يشكّل العمّال نسبة كبيرة فيها تلعب بقوة بدنية عالية، وباندفاع عال، أما الفرق المعززة بنجوم من الطلاب، فكانت تميل إلى اللعب الذي يعتمد على العقل والفن تقريباً، مرة ينتصر العقل على الفطرة، ومرة تنتصر القوة البدنية والسرعة على العقل.
في خاطري قصة كروية، لم تشطب ذاكرتي مفرداتها، بل تستحضرها دائما كلما شّحت المواهب،
“حي طارق” قرية صغيرة في قلب البصرة، بيوتها من قصب، تضم مدرستين حينذاك “الأدريسي والناشئة” وهما في مبنى واحد، معظم أهالي هذا الحي من الطبقة الفقيرة التي فضّلت العمل على العلم باستثناء عائلات قليلة.
ساهم معلمو هاتين المدرستين بزيادة نسبة الدارسين وإقناع أهالي الحي على تسجيل أبنائهم في المدارس، وقد استجاب الناس، وأولى معلمو الرياضة في الإدريسي والناشئة اهتماماً كبيراً بكرة القدم فبدأ الآباء يشجعون أبناءهم خلال المباريات المدرسية.
في هذا الحي كان هناك شاب غير متعلم طيب القلب اسمه علوان يعمل في البناء، لكنه أحّب كرة القدم بجنون، لعب علوان في مركز مدافع يسار بفريق الحي، كان سريعا وقوياً وتسديداته لا تُرد وهو مزيج بين عداء سريع ولاعب كرة قدم.
ذات مرة وقبل أن يتغّير قانون التسلل بصيغته الحالية، سدد علوان كرة قوية من بعيد ولجت مرمى الفريق المنافس، لكن الحكم ألغى الهدف بداعي التسلل، تعجب علوان من قرار الحكم، فأخبره الطلاب من الفريق الآخر أنه ليس من حق المدافع تسجيل الأهداف بعد اليوم، اقتنع علوان على فطرته بهذا الأمر، وامتنع عن تسجيل الأهداف حتى وإن جاءته الفرص المناسبة التي دائما ما كان يصنعها لنفسه ولفريقه.
غضب المدرب واستبدله، فصارت الجهة اليسرى من فريقه شارعاً معّبداً لهجمات الفريق المنافس حتى خسر فريقه، بعد نهاية المباراة سألوه: لماذا توقفت عن مساندة الهجوم وإيقاف تسديداتك الصاروخية؟ فأخبرهم بما سمعه من لاعبي الفريق المنافس، انتابت مدرب الفريق حيرة عظيمة بسبب جهل لاعبه المميز قانون اللعبة.
لكنه عاد في المباريات الأخرى وسجل العديد من الأهداف بقدمه اليسرى، وكان لاعبو فريقه دائما يهتفون له “علوان اسمك هز أميركا”، كلما سد الطريق على الخصم، أو كلما سجل هدفاً.
إنها فطرة الملاعب الشعبية.


جاسب عبدالمجيد (العراق)