دنيا

الأسواق الشعبية.. تفاصيل برائحة الأصالة.. ومرآة ذكرى البدايات

أحمد النجار (دبي)

وسط الأبراج المتلألئة، والحياة المتسارعة.. تكمن تفاصيل صغيرة تسرد حكايات عمرها مئات السنين مسكونة في ذاكرة الأسواق الشعبية القديمة في الإمارات، بصفتها شاهدة على ميلاد المدن التي أصبحت قصص إبداع ملهمة، وخلف كواليس اقتصادها القوي، تكمن جواهر التراث وأصالة الثقافة.. فالأسواق بداية لازدهار المجتمعات وانتعاش المخيلة الشعبية المضيئة روحياً بأجواء فرحة تبث الحياة لقاطنيها، كونها تمثل الحديقة الخلفية لنبضها وتواصلها اليومي ومرآة لعراقتها وتقاليدها، فضلاً عن أنها منصات ثقافية للحرف الفنية وصنّاع المنتجات المحلية ورواد المشغولات اليدوية، التي تثري شغف الزوار والمهتمين باكتشاف سيرة مدنها وإماراتها السبع.

أبوظبي..
نفحات تراثية وفنون معمارية
في العاصمة، التي عرفت بأسواق ضاربة في القدم، تنبض بروح تراثية، وتمتاز بنفحات تاريخية وفنون معمارية تشكل مقاصد ثقافية للزوار والسياح القادمين من العالم، وأبرزها «السوق المركزي القديم»، الذي يعود بناءه إلى نهاية الستينيات، وكان يتمتع بموقعه الحيوي وسط المدينة، ويضم أكثر من 180 متجراً، وكان يعتبر مقصداً حيوياً ومزاراً عائلياً لا سيما في أوقات المناسبات الاجتماعية والأعياد الدينية وفترة الأعراس وغيرها.. وسوق أبوظبي الشهير، تم تشييد محله برجين بعد أن أصبح متهالكاً، يشكلان اليوم معلمين تجاريين بارزين في العاصمة، وهما المركز التجاري العالمي، والسوق المركزي الجديد.

«سوق الزعفرانة»
على بعد خطوات من الجيمي مول في منطقة العين، والذي يعرض مزيجاً بانورامياً من التوابل والروائح، مثل: العطور العربية، والبخور، والعود، والعنبر إلى جانب منتجات القهوة وغيرها، ويعد السوق مركزاً للعبايات والأقمشة النسائية وأدوات الزينة، وهذه السوق هي المقر الجديد لسوق العين القديم وقرية موبيديا وهناك مكان مخصص للنساء فقط تدير المحال فيه نساء.. وكذلك سوق السجاد القائم في شارع الميناء الرئيسي بأبوظبي.

منصة تراثية مفتوحة
وبالحديث تفصيلاً عن خارطة الأسواق القديمة في إمارة أبوطبي، عاد عبيد حمد اليامي 60 عاماً، بذاكرته للوراء، حيث اعتبر سوق القطارة في العين من أعرق الأسواق وأقدمها، إذ يعود تاريخ تأسيسه إلى منتصف القرن العشرين، ويتميز بقربه من قلعة القطارة التاريخية لهذا سمي باسمها، كما أنه وفق اليامي مركز إشعاع تراثي ومنصة مفتوحة لاحتضان أنشطة وفعاليات مختلفة، ويضم مركزاً للفنون ومنصات لإحياء بعض الحرف والمشغولات اليدوية، ويشهد زخماً كبيراً من قبل العائلات والسياح والمهتمين بالتراث والفنون وكنوز العادات والتقاليد، واكتشاف الوجه الثقافي الآخر للمدينة.

سوق للصيد والفروسية
ووصف اليامي الأسواق القديمة بأنها كانت من رائحة أيام الطيبين وحياة الأولين، فيقول إن من أكثر الأسواق القديمة جذباً، هو سوق «الجمعة» في المنطقة التراثيّة بواحة القطارة في العين، والذي يأتي في المقدمة لما يزخر به من أجواء وزخم وأسعار مقبولة، حيث يعتبر مقصداً لهواة الصيد وعشاق الفروسية، ويعرض ضمن عشرات الخيارات من متاجره أدوات ومستلزمات متنوعة للصيد والفروسية، كما يشتهر ببيع أجود أنواع العسل والبهارات والهدايا التراثية بأنواعها.. ولم يفوته سوق «السجاد» الواقع في شارع الميناء الرئيسي، الذي يتميز بساحة مفتوحة تعرض روائع السجاد وأفخم المجالس العربية بوسائدها ومفارشها المطرزة والمشغولة بمنمنمات فنية، ويتميز بتنوع أصنافه وأشكاله من بيئات خليجية وعربية.

دبي..
«كلمة السر» في الجاذبية والازدهار
دبي، المدينة التي تمثل أسواقها سيرة حياة توصف بأنها «كلمة السر» وراء جاذبيتها وازدهار معالمها ونهضتها المعمارية الفريدة، فمن أبرز أسواقها الشعبية «سوق نايف» الذي يعد أقدمها، ويقع في منطقة ديرة وسمي كذلك لقربه من قلعة «نايف القديمة»، وكان الأولين يلقبونه بـ «سوق الصنادق» بحسب حميد خليل الحاي، 65 عاماً، وهو يمثل مرجعاً في التراث الإماراتي، مشيراً إلى أن نايف كان يمثل مركزاً شعبياً يقصده السكان المحليين، إلى أن تم ترميمه بالكامل، وتوسعة نشاطاته في مطلع التسعينيات، ليصبح مركزاً سياحياً مفتوحاً على العالم، لما يحتويه من منصات ومتاجر ضمن ساحات فسيحة وممتدة على رقعة كبيرة تزينها قوافل بشرية من كافة الأجناس والثقافات، ومليئة بالأجواء الفرائحية، وتزخر بتقديم كافة الألوان من الاحتياجات والكماليات وأصناف الهدايا والمنتجات الحياتية مثل الملابس والمقتنيات التراثية والأدوات المنزلية بأسعار معقولة وعروض وصفقات مغرية في متناول الجميع.

ملتقيات اجتماعية
مروان سلطان الشاعر، صاحب متجر لبيع الأقمشة والأزياء الشرقية والغربية، الكائن في منطقة سوق مرشد، قال إن أسواق دبي القديمة تمثل نقطة تحول حضارية شهدتها الإمارة، فقد كانت بمثابة ملتقى اجتماعي ومكان للرزق وعقد الاتفاقيات التجارية، وذكر أن بداياته كانت من السوق الكبير في بر دبي، ثم انتقل إلى سوق ديرة معتبراً بأنهما أبرز سوقين لهما تاريخ عريق يعود إلى فترة بعيدة من القرن الماضي، وكانا يقعان ضمن مساحة مسورة تربطها بوابة كبيرة، فلم تكن متاجره حينذاك تتجاوز 60 محلاً تتسم بطابع معماري يتألف من الأحجار التقليدية والجص، وكانت مقتصرة على الملابس والأثاث والمجوهرات وغيرها.
ولفت الشاعر إلى أن هناك عديدا من الأسواق التي يعود تاريخها إلى فترة ما قبل الاتحاد، منها سوق الذهب وسوق الفرضة وسوق اللؤلؤ الذي كانت دبي تشتهر بصيده وتصديره إلى العالم، كما تحتضن دبي سوق الحرير الذي كان يلقى إقبالاً من التجار والمستفيدين سواء من السكان المحليين أو من الزوار الخليجيين.

الشارقة..
طابع جمالي وتاريخي
أما الأسواق الشعبية في الشارقة، فهي كثيرة واستثنائية، حيث تحتضن إمارة الثقافة والتراث والفنون، تشكيلة من الأسواق ذات طابع جمالي وتاريخي، أبرزها سوق «العرصة» الذي يقع بمحاذاة عرصة السوق، لهذا سمي كذلك، ويضم 9 بوابات ويحتضن أكثر من 100 محل، ويعود تاريخ تأسيسه إلى قبل أكثر من نصف قرن، ويكتسب أهمية كبيرة بكونه يعد بمثابة محطة مهمة للبدو والرحالة والتجار المحملين بمنتوجاتهم، ويتميز السوق بأزقته الباعثة على الدفء وأبوابه الخشبية التي تتدلى منها الفوانيس المثبتة على الجدران والأسقف، ويعرض صناديق مطعمة باللؤلؤ ومصوغات من الحلي والمجوهرات، وأباريق نحاسية ومشغولات يدوية وتحف ومقتنيات تذكارية، ويضم مقهى شعبي يجتذب الزوار والمارة.
وتمتلك الشارقة في رصيدها التاريخي أسواقا أخرى مثل سوق «الشناصية» و«الرولة» و«السوق القديم» و«سوق الشارقة الشعبي»، وغيرها، وكلها تمثل واجهة مشرقة لاكتشاف عبق التراث وروح الثقافة الإماراتية وأصالتها الفريدة.

عجمان..
نواة اقتصادية وتجارية
عجمان، تزخر بالعديد من الأسواق الشعبية التي لا تزال حاضرة في ذاكرة أهل الإمارات، ولعل أبرزها «سوق صالح التراثي» الذي يعتبر أقدم سوق في الإمارة، فقد تم تأسيسه في الخمسينيات، ويقع في منطقة النخيل، ويتسم بنفحاته المعمارية الجاذبة، ويضم بين أجنحته العديد من محال متخصصة بالخياطة وبيع أفخر أنواع الأقمشة، والبضائع والمستلزمات المنزلية والكماليات.
وفي جعبة المدينة الكثير من الأسواق، التي كانت تشكل نواة اقتصادية وتجارية، وتعتبر مزارات يومية يحرص الناس على الالتقاء فيها وشراء احتياجتهم منها، ولعل أبرزها سوق سالم وسوق عجمان الشعبي، والسوق الصيني الذي افتتح قبل سنوات، كما تضم عجمان «سوق بحر عجمان» القديم الذي ارتبط بالسفن، وكان يمثل حلقة وصل بين الإمارات والدول المجاورة، حيث كانت البضائع تصل عبر البحر، ويتم عرضها ضمن باحة السوق الذي سمي فيما بعد بالسوق «الإيراني» كونه كان يستقبل الكثير من البضائع والمنتوجات الإيرانية، مثل السجاد والأدوات المنزلية والألعاب والأزياء والملابس والتوابل بأنواعها وغيرها.

معالم تاريخية في أم القيوين..
تمتاز أم القيوين بمعالمها التاريخية، حيث تضم أسواق عديدة منها السوق القديم، الذي كان يتألف من خيام للدلالين لبيع الطحين والتمر والأزر وغيرها، ثم أصبحت مع مرور الزمن دكاكين صغيرة تعرض أنواع الأقمشة والبضائع والاحتياجات والمواد الغذائية لأهالي المنطقة، إضافة إلى سوق المواشي، وسوق السمك الذي كان يشهد كثافة كبيرة من التجار والعامة، خاصة مع وصول الصيادين الذين كانوا يجلبون معها أنواع مختلف من الأسماك والأصناف البحرية.

الفجيرة..
خيارات متعددة للبيع والشراء
أما الفجيرة فتضم أشهر الأسواق الشعبية المفتوحة، وأشهرها سوق الجمعة الذي يحتضن في ساحاته مختلف البضائع، مثل: التحف والسجاد والمفروشات إلى جانب جزء مخصص لبيع الفواكه الصيفية والموسمية مثل الموز والرطب والبطيخ وغيرها، ويوجد على قارعته مشاتل عديدة لبيع الأشجار والورد والسماد ومستلزمات الزراعة المنزلية، كما يوفر العديد من الخيارات مثل تجارة الأواني وأدوات المطبخ وأكسسوارات المنزل، فضلاً عن أماكن مخصصة لبيع الطعام والأكلات الخفيفة، ويعتبر سوق «الجمعة» مزارا أسبوعيا تقصده العائلات من كافة الإمارات.

«الكويتي» و«العتيج»..
أقدم سوقين في رأس الخيمة
وفي إمارة رأس الخيمة، يوجد السوقان «الكويتي» و«سوق العتيج» ويعد سوق الكويتي، هو الأقدم في الإمارة، وسبب تسميته تعود نسبة إلى الكويت تقديراً للدور الذي لعبته في النهضة الصحية والتعليمية، حيث أقيم محل أول مستشفى شيدته الكويت في الإمارات، بينما كان يعد سوق «العتيج» أهم مركز تجاري حيوي سواء بالنسبة للسكان المحليين أو بالنسبة إلى البدو والرحل الذين كانوا يقصدونه قديماً سيراً أو ركوباً على الجمال والخيول أو عبر العبرة قادمين من الخور، ويحوي السوقان تشكيلة متنوعة من المنتوجات والاحتياجات المنزلية والأدوات التراثية وغيرها.