عربي ودولي

الاقتصاد القطري يعيش ظروفاً صعبة والتقلبات تطال جميع القطاعات

حسام عبدالنبي (دبي)

ليس هناك تعبير يعكس الوضع الاقتصادي لدولة قطر، بعد مرور عام على المقاطعة من قبل الدول العربية الداعية إلى مكافحة الإرهاب، أفضل من التعبير الذي ورد في تقرير وكالة «موديز» العالمية، حيث أكدت أن الظروف الاقتصادية في قطر (صعبة) والتقلبات في جميع القطاعات الاقتصادية (متوقعة).
ولم يكن وصف «موديز» هو التعبير الوحيد عن حالة الاقتصاد القطري، حيث أعلنت مؤسسات دولية عدة عن مؤشرات حقيقية للأزمة انعكست على تراجع التصنيف الائتماني السيادي للدولة الداعمة للإرهاب، وانخفاض التوقعات حول نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وترصد «الاتحاد» في التقرير التالي تداعيات المقاطعة العربية على الاقتصاد القطري، عبر رصد المتغيرات السلبية الخطيرة التي حدثت في القطاعات الاقتصادية المختلفة وتقارير المؤسسات المالية الدولية والخبراء المتخصصين.

تدهور جودة الأصول
ظهرت أحدث تداعيات المقاطعة على القطاع المصرفي في قطر عبر قرار وكالة «موديز» بتخفيض التصنيف الائتماني لأكبر بنكين، حيث تم خفض تصنيف كل من البنك التجاري القطري، وبنك الدوحة بضغط من تراجع تصنيف الودائع طويلة الأجل لدى «التجاري القطري»، فيما أبقت الوكالة نظرة مستقبلية سلبية للبنك.
وخفضت وكالة «موديز» تقييم الائتمان الأساسي للتجاري القطري بسبب الضغوط على الملاءة المالية للبنك، بفعل تدهور جودة الأصول وضعف الربحية وتراجع كفاية رأس المال. وسوغت تراجع جودة أصول البنك بالظروف الاقتصادية الصعبة في قطر والتقلبات في قطاعي البناء والعقارات، متوقعةً أن تزيد الضغوط السلبية على أصوله. وفي السياق ذاته، خفضت «موديز» تصنيف الودائع طويلة الأجل لبنك الدوحة بسبب تراجع جودة أصوله وكفاية رأس المال، كما أبقت على النظرة المستقبلية السلبية للبنك.
وكانت «موديز» قد خفضت في شهر يوليو الماضي نظرتها لتصنيف 9 مصارف قطرية إلى سلبية بعد يوم واحد من تخفيضها للنظرة المستقبلية لقطر إلى سلبية، موضحة أن السبب وراء ذلك هو أن إطالة أزمة قطر قد تؤدي إلى تخارج الأموال الأجنبية في الوقت الذي تتعرض فيه السيولة المحلية للضغط، حيث تمثل الودائع الأجنبية نحو 36% من مطلوبات البنوك كما بنهاية مايو 2017.
وشملت البنوك التي خضعت لتخفيض النظرة المستقبلية إلى سلبية، بنك قطر الوطني، وبنك الدوحة، وبنك الخليج التجاري، والبنك الأهلي، وبنك بروة، وبنك قطر الدولي، ومصرف الريان، وبنك قطر الإسلامي الدولي، وبنك قطر الإسلامي.
وإجمالاً، عدلت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني نظرتها المستقبلية للنظام المصرفي القطري من مستقرة إلى سلبية، بسبب ضعف ظروف التشغيل واستمرار الضغوط التمويلية التي تواجه البنوك.
وأوضحت أن التصنيف يعكس ضعف قدرة الحكومة القطرية على دعم البنوك، مرجحة تباطؤ نمو الائتمان المحلي القطري إلى 5% خلال العام 2017، ونحو7% عام 2018، تراجعاً من مستوى 15% في عام 2015، مضيفة أن تباطؤ نمو الناتج المحلي والائتمان إلى جانب المقاطعة العربية سيؤدي إلى انخفاض طفيف في جودة الأصول. وأشارت «موديز» إلى أنه من المتوقع ارتفاع القروض المتعثرة في عام 2018 إلى 2.2% من إجمالي القروض، مقارنة بنحو 1.7% نهاية العام الماضي
وتوقعت أيضاً تراجع سيولة البنوك بنسبة 24% من إجمالي الموجودات في ديسمبر الماضي، منوهة أن الودائع المحلية تظل محدودة بسبب انخفاض عائدات النفط، وأنه من المرجح انخفاض ربحية البنوك القطرية، مع تراجع العائد على الأصول إلى 1.4% في عام 2017، مقارنة بنحو 1.6% بالعام السابق، بدفع زيادة في تكاليف التمويل والتكاليف.

التصنيف السيادي
توالت التخفيضات التي أعلنت عنها المؤسسات الدولية للتصنيف السيادي لدولة قطر، إلى جانب تغيير النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية، حيث خفضت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، تصنيف قطر من (AA) إلى (AA-) مع نظرة مستقبلية سلبية. وخفضت وكالة «ستاندرد آند بورز»، تصنيف قطر من (AA) إلى (AA-)، متوقعة تباطؤ النمو الاقتصادي وتأثر التجارة الإقليمية وتضرر ربحية الشركات وضعف الثقة في الاستثمار.
كما عدلت «ستاندرد آند بورز» في تقرير منفصل نظرتها المستقبلية للاقتصاد القطري من مستقرة إلى سلبية، في ظل تأثر الأصول الحكومية بمحاولات الحكومة تعويض هروب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد. وفي الإطار ذاته خفضت «موديز» تصنيفها لقطر من (AA2) إلى (AA3)، بسبب ضعف المركز الخارجي للبلاد والضبابية التي تكتنف استدامة نموذج النمو خلال السنوات القليلة المقبلة، كاشفة أن تنظيم «الحمدين» استنفد ما يقارب 40 مليار دولار، أي ما يعادل 23% من الناتج المحلي، لدعم الاقتصاد في أول شهرين من بداية الأزمة.
وأكدت الوكالة أن قطر تواجه تكاليف اقتصادية ومالية واجتماعية كبيرة، ستؤثر بشكل كبير في قطاعات عدة، مثل التجارة والسياحة والبنوك.

أزمة سيولة
أقرت بيانات مصرف قطر المركزي، بأزمة السيولة التي تعاني منها الدولة، حيث أكدت تراجع الأصول الاحتياطية خلال الفترة من مايو 2017 حتى مارس 2018 بنسبة 17.3% إلى 37.8 مليار دولار، مقابل 45.7 مليار دولار بنهاية مايو 2017.
وأيضاً خفضت قطر استثماراتها في سندات وأذون الخزانة الأميركية 80% إلى 264 مليون دولار حتى نهاية مارس الماضي، مقارنة بنحو 1.38 مليار دولار في مايو 2017. وتراجعت ودائع القطاع الخاص (الأفراد والشركات) في قطر بنسبة 8.2% في أبريل الماضي على أساس سنوي إلى 462.9 مليار ريال (127 مليار دولار)، مقارنة بـ 504.3 مليار ريال (138.5 مليار دولار) خلال أبريل 2017.
وتكشف بيانات المركزي القطري معاناة الاحتياطي الأجنبي بسبب تقلص استثمارات المركزي في سندات وأذونات الخزانة الأجنبية من 22.6 مليار دولار في مايو 2017 إلى 3.9 مليار دولار في مارس الماضي، ما يعكس الحاجة الملحة لتمويل الموازنة العامة التي عانت بعد ارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل.

انهيار البورصة
عانت البورصة القطرية من الخسائر على مدار عام بأكمله، حيث منيت بورصة قطر بخسائر سوقية فادحة قاربت 10 مليارات دولار ( 35 مليار ريال)، حيث تراجع رأس المال السوقي من 532.05 مليار ريال قبل الأزمة إلى نحو 497.42 مليارات ريال حالياً، فيما تراجع المؤشر العام بنسبة 9.4% إلى مستوى 8992.81 نقطة. وتحولت 38 شركة من بين 45 مدرجة على مؤشر بورصة قطر إلى الخسائر بنهاية 2017.

خصخصة الشركات
اتجهت الدوحة إلى زيادة نسبة تملك الأجانب في بعض الشركات الحكومية المدرجة ببورصة قطر من 25% إلى 49%، في توجه يراه البعض خصخصة للشركات الناجحة من أجل تدبير السيولة اللازمة لتعويض الآثار الاقتصادية للأزمة التي يعيشها نظام «الحمدين»، حيث إن هناك حاجة ملحة لتدبير مثل هذه السيولة.
ويبلغ عدد الشركات التي تمت زيادة نسبة تملك الأجانب فيها تسع شركات حكومية حتى الآن، وهي من أكبر الشركات القطرية وتتضمن (صناعات قطر، والكهرباء والماء، والقطرية للصناعات التحويلية، ومصرف قطر الإسلامي، وقطر للوقود، والخليج الدولية للخدمات، ومسيعيد للبتروكيماويات القابضة، وبنك قطر الوطني، وبروة العقارية).

تراجع التنافسية
كشف التقرير الأخير للتنافسية العالمية، الذي يصدر سنوياً عن المنتدى الاقتصادي العالمي، عن تراجع تصنيف قطر ضمن التقرير بعد المقاطعة العربية 11 مركزاً دفعة واحدة، لتصل إلى المركز الـ25 عالمياً بعد أن كانت تحتل المركز الـ14 في تقرير2015– 2016.
وجاءت قطر في المرتبة 136 في مؤشر قوة حماية المستثمرين من بين 137 دولة، متراجعةً 136 مركزاً دفعة واحدة.
وفى إطار عجز الموازنة هبطت قطر للمركز رقم 90 في تدهور كبير، بعدما كانت قد احتلت المركز الأول في كفاءة الموازنة الحكومية العام الماضي. كما هبط ترتيب قطر في مؤشر الدين الحكومي 28 مركزاً لتحتل الموقع 66 عالمياً، بعدما كانت قد شغلت المركز 38 العام الماضي، أما في مجال كفاءة الأسواق فانخفض ترتيب قطر 8 مراكز في المؤشر الرئيسي.

تبديد الثروات
استخدمت حكومة الدوحة أموال جهاز قطر للاستثمار من أجل ضخ السيولة في القطاع المصرفي بهدف تعويض الودائع الخليجية التي انسحبت، في خطوة يراها الخبراء «تبديداً لثروة الأجيال القادمة».
وقالوا إن استسهال سحب السيولة وتوجيهها لدعم الاقتصاد أو لدعم قطاع بعينة، يخالف الدور الرئيسي لجهاز قطر للاستثمار باعتباره صندوق الثروة السيادي لدولة قطر، إذ أن دور الصناديق السيادية يختلف عن البنوك المركزية، فهي تسعى إلى الاستثمار وليس إلى إدارة السياسة النقدية ومواجهة التغيرات في أسعار الصرف، محذرين من أن الصناديق السيادية لا يجب أن تكون مؤسسات مصرفية، بل هي أجهزة استثمارية ولا يمكن أن تشتري الحصص في الشركات نتيجة ضغوط سياسية، بل يجب أن يكون القرار نتيجة دراسة اقتصادية مستفيضة.

خسائر الطيران
طالت تداعيات المقاطعة العربية شركة الخطوط الجوية القطرية التي منيت بخسائر كبيرة خلال العام المالي المنقضي، وهو ما عبر عنه أكبر الباكر، الرئيس التنفيذي للخطوط القطرية، بالقول: «زدنا نفقاتنا للتشغيل، كما تضررت أيضاً إيراداتنا، لذلك لا نعتقد أن نتائجنا للسنة المالية الماضية ستكون جيدة جداً».
وأضاف الباكر: «لا أريد أن أتحدث عن حجم الخسارة لكنها كبيرة، ورغم أن بعض الأنشطة الأخرى حققت ربحاً فإنه غير كاف لتبديد أثر خسائر الشركة»، مشيراً إلى أن الرحلات اليومية للناقلة الرسمية في الدولة تراجعت بنسبة 27% من 600 إلى 440 رحلة.