دنيا

التسبيح بحمد الله ليلاً.. أمر إلهي

سعيد ياسين (القاهرة)

يبدأ وقت الليل من انصراف النهار بغروب الشمس، وورد هذا الزمن في القرآن الكريم اثنتين وتسعين مرة، وورد زمناً للتسبيح في عدة مواضع، وينتهي بإقبال الصُّبْح، كما ورد عن النبي: «صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».
قال تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى?)، «سورة طه: الآية 130».
وجاء في تفسير الإمام الشعراوي إن التسبيح هو التنزيه لله تعالى، وهو صفة لله قبل أن يخلق مَنْ يُسبِّحه ويُنزِّهه، فإذا كان التسبيح ثابتاً لله قبل أن يوجد المسبّح، ثم سبح لله أول خلقه، ولا يزالون يُسبِّحون، فأنت أيضاً سبِّح باسم ربك الأعلى، أي: نزّهه ذاتاً وصفات وأفعالاً وأقوالاً عما تراه من المخلوقات.
وقوله: (... قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى?)، «سورة طه: الآية 130»، أي: تسبيحاً دائماً مُتوالياً، كما أن نعم الله عليك متوالية لا تنتهي، فكل حركة من حركاتك نعمة، النوم نعمة، والاستيقاظ نعمة، الأكل نعمة، والشرب نعمة، البصر والسمع، كل حركة من حركات الأحداث نعمة تستحق الحمد، وكل نعمة من هذه ينطوي تحتها نِعَم.
والله سبحانه وتعالى يعطينا زمن التسبيح، فنعيشه في كل الوقت، وآناء جمع «إنْى»، وهو الجزء من الزمن، وهذا الجزء يترقَّى حسب تنبهك لتسبيح التحميد، فمعنى التسبيح آناء الليل، يعني أجزاء الليل كله، فهناك من عباد الله مَنْ لا يفتر عن تسبيحه لحظة واحدة، فتراه يُسبِّح في كل حركة من حركاته، وأطلق سبحانه زمن التسبيح بالليل، فقال: (... آنَاءِ الليل...) وحدده في النهار، فقال: (... وَأَطْرَافَ النهار...)، قالوا: لأن النهار عادة يكون محلاً للعمل والسعي، فربما شغلك التسبيح عن عملك، وربنا يأمرك أن تضرب في الأرض وتسهم في حركة الحياة، والعمل يعين على التسبيح، والطاعة، ويعينك أن تلبي نداء: الله أكبر، أما في الليل فأنت مستريح، يمكنك التفرغ فيه لتسبيح الله في أي وقت من أوقاته، ثم يذكر سبحانه الغاية من التسبيح، فيقول (... لَعَلَّكَ تَرْضَى?)، إذن الذي كلفك ربك به أن ترضى أنت، وأن يعود عليك بالنفع، فالحق سبحانه لا يزيد التسبيح في ملكه تعالى شيئاً.
يقول المفسرون: (معرفة معنى الحمد هامَّةٌ جداً في التسبيح الذي هو من تمام الحمد، فالحمد هو الإخْبَار عن محاسن المحمود على وجه الحُبِّ له، ومحاسنُه تعالى إمَّا قائمة بذاته وإمَّا ظاهرة في مخلوقاته، وهذا الحمد يملأ جميعَ المَخْلوقَات، ما وُجد منها ويوجد، فكل ذرةَ في الكون شاهدة بحمده، وهو حمد يتضَمّن الثناء على الله بكماله القائم بذاته، والمحاسن الظاهرة في مخلوقاته.
وعَلِمْنَا أن التَّسْبيحَ تَعْظيمٌ وتَنْزِيه، فإذا اقترن به ذكرٌ لصفات الكمال والجمال أو ذكر الأفْعَال المُقَدَّسَة الدالة على الكمال، أو ذكرٌ لهما معاً، فإنَّ ذلك الاقتران يفيد ثلاثة أمُوَرْ، الأوَّل: تأكيد معنى التعظيم المتضمَّن في التَّسْبيح مع ذكر بَيَانِه وتَفْصِيله. فَيذِلُّ المُسْلِم غاية الذل لما ذُكِرَ من العظمة. والأمر الثاني: ذكر المَحَاسن والمحامد التي يستحق بها سبحانه أن يُحَبَّ بغاية الحُبّ، فبذلك يجتمع غاية الحب بغاية الذل، وهما أصْلاَ العبادة. ولذلك إنما يأتي التَّسْبيح في القرآن والسُّنَّة في معظم المواضع مَقْرُونا بصفات الكمال إجمالا أو تفصيلاً أو ما يدل عليها من الأفعال المقدسة.