ثقافة

كتاب أوسيب ماندلشتام.. «كوكب العلامات»

أوسيب ماندلشتام

أوسيب ماندلشتام

ترجمة وإعداد: أحمد عثمان

مع أول الربيع، صدرت الأعمال الكاملة للشاعر الروسي أوسيب ماندلشتام (1891 ـ 1938)، الذي توفي في منفاه السيبيري عام 1939، وهو أحد أكبر شعراء روسيا في القرن العشرين، في طبعة من جزأين عن مطبوعات «لو بروي دو تون/‏ لا دوغانا».
لإصدار هذه الطبعة من الأعمال الكاملة، كان من الضروري الارتكان إلى المثابرة الجريئة لزوجته نادجدا، التي حفظت نصوصه، وأودعتها لدى أصدقاء قاموا بنقلها إلى الولايات المتحدة الأميركية، لكي يصلنا يوماً ما صوت هذا الشاعر/‏ الشاهد، ضحية الستالينية. قراءة هذه الصفحات التي ضمتها الأعمال الكاملة، يسمح لنا كما قال فلاديمير نابوكوف بمعرفة «أكبر من عاشوا في ظل السلطة السوفيتية».
أوسيب ماندلشتام، يعتبر واحداً من رواد الحداثة الشعرية في روسيا، بداية القرن العشرين، مع عدد من الشعراء من أمثال بلوك، ماياكوفسكي، يسينين، تسفيتاييفا وإخماتوفا وغيرهم. في عام 1913 تمت طباعة أول ديوان شعري له تحت عنوان «الصخرة». في تلك الفترة كان الشاعر قد ابتعد عن الرمزية واعتنق مذهب الكمالية (الاكميزمية)، كما راحت تُطبع أشعاره بكثرة في مجلة «أبولو». بعد الثورة عمل مندلشتام موظفاً عادياً في دوائر رسمية في بطرسبورغ. ومع بداية عام 1918 غادر إلى موسكو. ثم غادرها في شباط من عام 1919 ليبدأ حياة التشرد في أنحاء روسيا: موسكو، كييف وفيوديسيا. خلال عامي 1922 و1923 نشر مندلشتام ثلاثة دواوين شعرية: «تريتستيا» و«الكتاب الثاني» والطبعة الثالثة من «الحجرة». طبعت أعماله في موسكو وبطرسبورغ وبرلين. في عام 1924 انتقل مندلشتام من موسكو إلى لينينغراد. وفي عام 1925 نشر سيرته الذاتية بعنوان «صخب الزمن». وفي عام 1928 صدر آخر ديوان شعري له خلال حياته «أشعار»، ثم كتاب «حول الشعر» وقصة طويلة بعنوان «علامة مصرية». في 1931 انتقلت عائلة مندلشتام من أرمينيا التي استقر فيها لبعض الوقت إلى موسكو، حيث منحته الدولة راتباً شهرياً قدره 200 روبل مدى الحياة «لقاء خدماته تجاه الأدب الروسي». في مايو 1934 تم اعتقاله وحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات إلى قرية شيردين النائية. لكن بعد توسط إخماتوفا وباسترناك تم استبدال شيردين بمدينة فورونيج القريبة نسبيا. بعد النفي لم يعد يُسمح لعائلة مندلشتام بالعيش في موسكو أو لينينغراد، مما اضطرهم للتسكع في ضواحي موسكو. اعتقل آخر مرة في 2 مايو من عام 1938.
في قصيدته، التي يراها البعض ككوكبة من العلامات، يقبع التساؤل عن الكلمة، حاملة المعنى، في قلب الإبداع. متحفظاً إزاء الشعر الواقعي أو المعبر عن المشاعر، منجذباً نوعاً ما إلى الرمزية التي وجد فيها استعارات بسيطة، كل ذلك ساهم في لقائه مع إخماتوفا، وغورودتسكي، وغوميلوف مؤسس «الاكميزمية»: الشعر بناء، عمارة، كاتدرائية، كوكبة من العلامات، والجمال «حلم الصخرة» لبودلير و«الصخرة» بالتأكيد، إشارة إلى ديوانه الأول. وهكذا، عاش بدايات التفتح الفني أوائل القرن العشرين.
منجذباً إلى اليوتوبيات الثورية، استقبل بحفاوة ثورة أكتوبر 1917، وحلم لبعض من الوقت بالتناغم بين الفن والسلطة، ولكن الأدب السوفييتي الرسمي (الواقعية الاشتراكية بجمودها) يقلقه، ولذا تعتم الأفق في نظره بدءاً من عام 1923: صعوبات مادية، جوع، إعدام أصدقاء، مراقبة، اعتقال، نفي، سجن، والآلة البوليسية والعدلية تدور، حتى توفي في 27 كانون الأول من العام 1938 في معسكر الاعتقال قرب فلاديفستوك في الشرق الأقصى.
بألم، حقق ماندلشتام مشروعه/‏ حلمه «حوار حول دانتي»، المكتوب بين 1930 و1933: شعر «يصحو في قلب الكلمة»، باستعارة الجملة من بورخيس «الاستبداد أم الاستعارة»، أو كما قال الفيلسوف الفرنسي جورج ستينر «أتساءل إذا كان الأمر يتطلب وطأة المعاناة لكي يصبح المرء ماندلشتام أو باسترناك. إجابتي نعم».

الكتاب:
• Œuvres complètes d’Ossip Mandelstam Traduction du russe, édition et présentation par Jean-Claude Schneider, Coédition Le Bruit du temps/‏ La Dogana, coffret de deux volumes, 783 p. et 732 p., 50 €