دنيا

القصاص.. يعالج المغالاة القبلية في الانتقام والثأر

أحمد محمد (القاهرة)

فرض الله على المؤمنين المساواة والمماثلة في القيام بالعقوبة في القتلى بألا تقتلوا بالمقتول غير القاتل، فيقتل الحر بالحر الذي قتله لا غيره ولا أكثر منه، ويقتل العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولولي المقتول التنازل عن المطالبة بالقتل، والاكتفاء بأخذ الدية، وفي العفو مع أخذ الدية تخفيف ورحمة في الحكم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى? بِالْأُنثَى? فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَ?لِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى? بَعْدَ ذَ?لِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، «سورة البقرة: الآيات 178 و179».
قال الشيخ محمد متولي الشعراوي، هذا النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، حيثية للحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول: أنا كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من باب الإيمان بي، وما دمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف، و(كُتِبَ عَلَيْكُمُ)، فيها إلزام ومشقة، والتشريع لا يشرع لفرد واحد، وإنما للناس أجمعين، وظاهر النص أن الحر لا يقتل بالعبد، لكن ماذا يحدث لو أن عبداً قتل حراً، أو قتلت امرأة رجلاً، إن الله يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يشرِّع أن الحر لا يُقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يقتل إن قتل حراً، والعبد يقتل إن قتل عبداً، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه، وإنه سبحانه يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر، ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت على أن تُصعِّد الثأر فتأخذ به حراً، وكذلك إذا قتلت في تلك الحرب أنثى، فإن قبيلتها تُصعد الثأر فتأخذ بها ذكراً، فأراد الله أن يحسم قضية الثأر حسماً تدريجياً، لذلك جاء بهذا الأمر، ليواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجاً يحسم هذه المغالاة فيه أيام الجاهلية، فيبلغ ربنا البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة تجعل نيران العداوة لا تخمد أبداً، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك، وهذا هو التشريع التدريجي.
وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، ويشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية، ويحث ولي الدم على أن يعفو ولا ينسى أخوة الإيمان، فأورد الحق الأخوة لترقيق المشاعر، وحين يتذكر أولياء الدم أخوة الإيمان، فإن العفو يصبح قريباً من نفوسهم، ولننظر إلى الدقة في تصفية غضب القلوب حين يضع الدية مكان القصاص بالقتل، ولم يرد الله أن يضع نصاً بتحريم القصاص، ولكن أراد أن يعطي ولي الدم الحق في أن يقتل، فقد أصبحت المسألة في يده، فإن عفا، تصبح حياة القاتل ثمرة من ثمرات إحسانه، وإنْ عاش القاتل، لا يترك هذا في نفس صاحب الدم بغضاء، ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ...)، «سورة البقرة: الآية 179»، شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل، وفيه حكمة عظيمة لكم، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس.