ثقافة

«اللوفر أبوظبي».. هنا «النصوص المقدسة»

صفحتان من القرآن الكريم نقشتا بالذهب (أرشيفية)

صفحتان من القرآن الكريم نقشتا بالذهب (أرشيفية)

فيفيان عيلبوني (أبوظبي)

عندما تدخل الجناح الثاني من متحف «اللوفر أبوظبي» توقع أن يقع نظرك مباشرة على أجمل ما قد تراه العين وأرقى ما قد يصله الفكر الإنساني.
لا تتفاجأ، لأنك سترى تمثالاً للسيدة «مريم العذراء» تحمل طفلها بجانب مصحف مفتوح على آية من «القرآن الكريم» (حيث دوّنت البسملة فيه بالذهب الخالص) بجوار كتاب «التوراة» مزخرف بأسلوب فني متميّز، جميعها على مقربة من تمثال «بوديساتفا» (الذي يمثل الرحمة في معتقدات الديانة البوذية) وتمثال برونزي «لشيفا الراقص» (الإله الهندوسي). هذه الحبكة الرائعة، التي تدلّ على الانفتاح الذي بات منهجاً واضحاً في سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة، ستجعل كل من يمر في الجناح الثاني، وفي قسم «الديانات العالمية» بالتحديد، يرفع القبعة احتراماً لمتحف «اللوفر أبوظبي» الذي كان سبّاقا بين جميع المتاحف العالمية بتنفيذ هذه المنظومة الجريئة.
ففي هذا الجناح سيجد أكثر من 80% من سكان العالم رموز معتقداتهم الدينية تعرض بطريقة فنية خلاّبة.
حيث سنعاين جزءاً من محراب نقشت عليه آيات من «سورة النور» يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وسنبهر حتماً بجمال تمثال رأس بوذا المصنوع من الرخام الأبيض، والذي يعود للقرن الخامس أو السادس الميلادي، وسنفخر بوجود الإفريز المعماري المنقوش بآيات قرآنية من شمال الهند (1200م)، وسنندهش بتمثال للمسيح (سيدنا عيسى «عليه السلام») يبدي جراحه الذي يعود للقرن السادس عشر، وبغيره من التماثيل الهندوسية.
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كلمته التي ألقاها عشية افتتاح «اللوفر أبوظبي»: «إن هذا المتحف هو جزء من الحرب ضد الظلاميين والرجعيين». وهذا ما سندركه بوضوح إن مررنا بقسم «النصوص المقدسة» المتفرع من جناح «الديانات العالمية». سنجد في عتمة هذا القسم الضوء مسلطاً على التوراة والإنجيل والقرآن الكريم المتكئين، جنباً إلى جنب في صفحات مفتوحة على آيات تدعو إلى المحبة والتسامح، في رحاب صندوق زجاجي أنيق كتب تحته «الديانات السماوية». وفي الجوار نصوصٌ هندوسية وبوذية.
من الواضح أن صناعة الكتب الدينية كعمل فني انتشر بين الشعوب في العصور الغابرة، ولحسن الحظ سنجد في المتحف نخبة من أجمل وأهم هذه النصوص باختلاف أنواعها: من صنعاء باليمن تعرض مخطوطة «توراة» تعود إلى عام 1498 وتعرف أيضا بأسفار موسى الخمسة مدوّنة بحبر على ورق ومزينة بأشكال هندسية شبيهة بزخرفات ديانات سماوية أخرى، ربما لانحدار جميع هذه الديانات من بقعة جغرافية واحدة.
وتعرض في نفس الصالة أيضاً نسختان أصليتان من مجلدين من «الإنجيل» القوطي النادر الذي يعود إلى الفترة ما بين 1250 و1280م، مكتوب على ورق الرق جلد العجل، ويمثل هذا «الإنجيل»، الآتي من فرنسا، إحدى المحطات التاريخية المهمة في انتشار المسيحية في أوروبا، بعد اعتماد الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس.
ومن سوريا سنجد مصحفاً يضم الجزء الثلاثين من «القرآن الكريم»، دوّن بحبر وألوان وذهب على ورق، غلافه الجلدي يشهد للتميّز في صناعة الكتب في تلك الحقبة من الزمن، وهو يعود إلى عام 1250 و1300م.
وتكتمل هذه التوليفة المقدسة مع نصوص بوذية وهندوسية مثل «سوترا الحكمة الكاملة» من شرق الهند (1191م) مكتوبة بالحبر والألوان على سعف النخيل، بجانبها «سوترا التنوير الأمثل» من الصين الذي يرجع إلى الحقبة بين عامي 1400 و1350م، مكتوب بحبر ذهبي على ورق.
جدير بالذكر أيضا أنه عند افتتاح المتحف في نوفمبر 2017 كانت صفحة من «المصحف الأزرق» جوهرة التاج بالنسبة لهذا القسم بالتحديد.
إنه مصحف نادر جداً استطاع اللوفر أبوظبي الحصول على إحدى صفحاته من مزاد عالمي شهير. تشمل هذه الصفحة جزءاً من سورة «آل عمران» ثالث سور «القرآن الكريم» مكتوبة على رق أزرق بخط عربي مذهب.
هو نسخة من «القرآن الكريم» مكتوب بالخطّ الكوفي، يرجع إلى القرن الرابع للهجرة (القرن العاشر ميلادي)، تم اكتشافه في مدينة القيروان (تونس) وإن الصفحة التي عرضت مأخوذة من أحد المصحفين الوحيدين المعروفين على مستوى العالم والأغلب أنه دوّن لصالح أحد الأثرياء، نظراً لاستخدام الذهب في الكتابة.
وإن فاتتك رؤية المصحف الأزرق الذي عرض في المتحف عند افتتاحه، فللأسف لن تتمكن من رؤيته ثانية إلا بعد ثلاث سنوات، فلأسباب تقنية وللحفاظ على ديمومة هذه القطعة المميزة من التراث الإسلامي، فهي لا تعرض أكثر من ثلاثة أشهر فقط ثم تحفظ في مكان خاص وتحت درجة حرارة وإنارة معينة، منعاً للتلف السريع.