عربي ودولي

استحواذ قطر على شركة شوكولاتة كبرى يسبب «أزمة وجودية» في بلجيكا

دينا محمود (لندن)

كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية النقاب عن أن حالةً من الغضب تسود بلجيكا في الوقت الراهن، بعد استحواذ النظام القطري على إحدى كبريات شركات تصنيع الشوكولاتة في البلاد، وهو ما أثار انزعاجاً واسع النطاق في الأوساط الثقافية والإعلامية في بروكسل، التي تعتبر هذا النوع من الحلوى إحدى السمات المُميزة للثقافة البلجيكية في العالم بأسره.
الصفقة التي أشعلت غضب البلجيك، تتعلق بشراء القطريين مزيداً من الأسهم في شركة «جالير»، التي تُوصف بأنها تُصَنِّع أجود أنواع الشوكولاتة البلجيكية الفاخرة، والتي تسلل إليها المستثمرون القطريون في عام 2006 عبر شراء حصةٍ من أسهمها، لكنها كانت آنذاك أقل من عتبة الـ 50%، التي تعطيهم القول الفصل في إدارة شؤون الشركة.
غير أن وسائل إعلام بلجيكية كشفت النقاب عن أن النظام الحاكم في الدوحة صار يستحوذ الآن على «أغلبيةٍ حقيقيةٍ» من أسهم الشركة التي تأسست في مدينة لياج عام 1976 على يد «جون جالير»، الذي تحمل تلك المؤسسة اسم جده، صانع الحلوى البلجيكي البارز في ثلاثينيات القرن الماضي.
وقالت «الجارديان» - في تقريرٍ لمراسلها من بروكسل «دانييل بوفي» - إن الاستحواذ القطري الأخير، على أحد «الأوجه البارزة للمشهد (الثقافي والحضاري) البلجيكي، من قبل الأسرة الحاكمة في قطر، سبَبَ ما يمكن تسميته أزمةً ذات طابعٍ وجودي»، في هذا البلد الأوروبي الصغير.
وأبرزت الصحيفة البريطانية ردود فعل وسائل الإعلام البلجيكية المستنكرة، للتفريط في تلك الشركة التي حققت العام الماضي وحده عائداتٍ تصل إلى نحو 41 مليون دولار أميركي، لا سيما في ضوء أن الشوكولاتة لا تشكل فقط أحد المصادر الرئيسية للدخل القومي لبلجيكا - التي يبلغ حجم صادراتها منها قرابة 3.3 مليار دولار سنوياً - وإنما تُمثل «كذلك أحد السمات الثقافية الرئيسية القليلة لهذا البلد»، وعامل توحيد «يجمع شتات هذه الدولة المعقدة التي يتحدث مواطنوها العديد من اللغات».
وسلطت «الجارديان» الضوء في هذا السياق على موقف صحيفة بلجيكية كبرى مثل «هيت نيوزبلاد» التي تصدر باللغة الفلمنكية، من شراء القطريين لشركة «جالير»، مُشيرةً إلى أن تلك الصحيفة طرحت رداً على هذه الصفقة تساؤلاً استنكارياً يقول: «كيف ستظل الشوكولاتة البلجيكية بلجيكية، إذا كانت كل الشركات الكبرى المُصنعة لها في أيادٍ أجنبية؟». ونقلت الصحيفة البلجيكية عن أحد صناع الشوكولاتة في البلاد إعرابه عن ألمه حيال ما حدث، قائلاً إنه «من المؤسف بطبيعة الحال أن تشتري شركاتٌ أجنبية جواهر التاج الخاصة بنا»، في إشارةٍ إلى شركات الشوكولاتة الكبرى في بلجيكا. ووصف الرجل الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال بأنها «غزو».
وأبرزت «الجارديان» في تقريرها المفارقة المتمثلة في أن مؤسس الشركة البلجيكية التي بيعت للقطريين على حين غرة، كان يتباهى في السابق بأن «الشوكولاتة هي الحرية»! وقالت إن هذا الرجل قد «أنقذ» نفسه على الأقل مما سيحدث بعد «الاستحواذ القطري» على شركته، وذلك بعد أن وافقت أسرة «آل ثاني» على السماح له بالبقاء في مجلس الإدارة، في منصبٍ أُطْلِقَ عليه اسم المدير المسؤول عن الابتكار.
ولكن وسائل الإعلام المحلية في بروكسل قللت من شأن هذا المنصب، وأشارت إلى أنه شرفيٌ لا أكثر. وأضافت أن السلطات القطرية منحت رئاسة مجلس إدارة الشركة بعد استحواذها عليها، إلى «جواو دي جوفيا»، الذي وصفته بأنه أحد مستشاري الأسرة الحاكمة في الدوحة.
وشددت هذه الوسائل على أن النظام القطري لن يكتفي بالاستحواذ على غالبية أسهم الشركة كما هو الحال الآن، وإنما سيستحوذ على كامل الأسهم في نهاية المطاف. وخلال السنوات القليلة الماضية، أبدت السلطات القطرية اهتماماً واضحاً بالاستثمار في شركة «جالير»، خاصة بعد أن فتحت الشركة أول متجرٍ لها في الدويلة المعزولة أواخر فبراير 2017، وهو ما حظي باهتمامٍ لافت وقتذاك من قبل وسائل الإعلام القطرية.