دنيا

الظن السيئ.. يضيّع حقوق الناس والمجتمع

أحمد محمد (القاهرة)

نهى الله عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً، وإن سوء الظن يُذهب الود بين الناس ويُفسد العلاقة الطيبة، ومن معاني الأخوة الصادقة حسن الظن والتماس العذر، فإنه باجتناب الظن السيئ يقيم الإسلام العظيم سياجاً منيعاً يحفظ حقوق الناس أفراداً وجماعات في المجتمعات، فلا يؤخذ فرد بمظنة كاذبة، ولا يحاكم بشبهة أو ريبة لا أساس لها من الصحة، ومن هنا جاء نداء الله لعباده المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)، «سورة الحجرات: الآية 12». قال العلماء، تصدير الخطاب ب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...)، يدل على العناية به، قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول «يا أيها الذين آمنوا» فارعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه، وإما خير تحصل به العبرة والاتعاظ، والظن هو أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر، وهنا عبر الله تعالى بقوله: (...
كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ...) ولم يقل اجتنبوا الظن كله، لأن الظن قسمان، الأول ظن خير بالإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيراً ما داموا أهلا لذلك، والثاني ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة لمسلم ظاهره العدالة.
ويقول الدكتور زغلول النجار، هذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى اجتناب ثلاثة من السلوكيات الخاطئة التي تؤدي إلى المعاصي، وتأمرهم بتقوى الله تعالى، مؤكدة على أن الله تواب رحيم، وفي مقدمة هذه الأوامر، اجتناب الظن السيئ، أي تباعدوا عنه بأهل الخير من عباد الله المؤمنين، والظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض وهو عدم الثقة والشك، أو الاعتقاد بلا دليل، أو الافتراض السيئ، والفكر الخاطئ.
ولا يجوز للمؤمن أن يترك نفسه نهباً لكل ما يهجس الشيطان فيها من الظنون والشبهات والشكوك التي لا يوجد لديه دليل قاطع على صحتها، ولذلك تأمر الآية باجتناب الظن السيئ بأهل الخير، ما لم يكن ذلك مستنداً إلى دليل أو أمارة ظاهرة صحيحة، أما الظن الحسن، فلا ضرر منه إن كان في موضعه الصحيح.
والأمر باجتناب الظن يطهر ضمائر المؤمنين من احتمال التلوث بالشك في الآخرين دون دليل قاطع لأن ذلك من مداخل الشيطان على الإنسان، لإرباكه بالوقوع في هذا الإثم الذي يملأ قلبه وضميره بالهواجس الظنية، والشكوك المرضية والريب التي تدمر حياته بالقلق والترقب، وكل ذلك قد لا يكون له أدنى أساس من الصحة، فيحرم الظانّ من الطمأنينة التي قد يعكرها القلق الدائم والتوقع المستمر للمكروه الذي يربك الحياة، ويجهد صاحبه ويملأ قلبه بالريب والشكوك في إخوانه الذين شوهد منهم الصلاح، وأونست منهم الأمانة الظاهرة، فيحرم سوء الظن بهم دون أدنى مبرر لذلك.
وبذلك فإن الإسلام العظيم يطهر قلوب وضمائر الأفراد، من إصدار الأحكام لمجرد الظن بلا دليل، أو الشك بلا مسوغ حقيقي، وهنا تتضح الحكمة من الأمر الإلهي باجتناب كثير من الظن، والتأكيد على أن بعض الظن إثم، والإثم هو الذنب الذي يستحق عليه العقوبة، وهذا البعض هو الذي يجب اجتنابه لما في ذلك تطهير للنفوس من إمكانية التلوث بالظن السيئ كي يحفظها نقية طاهرة من الهواجس فهي من مداخل الشيطان.