دنيا

أم الشافعي.. تجوب البلدان لتحجز لابنها مكاناً بين الأئمة

أحمد مراد (القاهرة)

شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن ينشأ الإمام الشافعي يتيماً وفقيراً، فقد مات والده وهو في الثانية من عمره، وعاش في كفالة أمه التي سعت جاهدة في تربيته وتعليمه، حيث نذرت ابنها للعلم، وكانت تجوب به البلدان بحثاً عن العلم، تقدمه إلى الشيوخ والعلماء، وتحجز له مكاناً في حلقات العلم، حتى صار الشافعي من كبار أئمة الإسلام.
كانت امرأة من اليمن تدعى فاطمة بنت عبدالله الأزدية، اشتهرت بالحكمة والفضيلة والذكاء، وكان لها تأثير كبير في رحلة الإمام الشافعي العلمية.
ولد الإمام الشافعي سنة 150 هجرية في غزة من عسقلان بأرض الشام، ولما توفي أبوه، انتقلت به الأم إلى مكة، حيث كانت في ذلك الوقت أرض العلم والعلماء، فبها وفرة التابعين، وآثار الصحابة الباقية، وعلومهم الخالدة، وقد ألزمته حفظ القرآن الكريم، فأتمه وهو ابن سبع سنين، ثم أقبل على دراسة السنة، فحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ يطلب العلم في مكة حتى أُذن له بالفتيا، وهو دون عشرين سنة.
عُرفت أم الإمام الشافعي بالذكاء والتفقه في الدين، حيث ذكر المؤرخون أنها تقدمت هي وامرأة أخرى مع رجل للإدلاء بشهادة أمام القاضي، فأراد القاضي أن يفرق بينهما، فقالت له: ليس لك ذلك، ثم ذكرت قول الله تعالى: (... أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى?...)، «سورة البقرة: الآية 282»، فانصاع القاضي لقولها، وقال التاج السبكي بعد نقل هذه الحكاية: وهذا فرع حسن، واستنباط جيد، ومنزع غريب، وكانت من القانتات العابدات، ومن أذكى الخلق فطرة.
أوقفت ابنها بين يدها، وقالت له: أي بني عاهدني على الصدق، فعاهدها الشافعي أن يكون الصدق له في الحياة مسلكاً ومنهاجاً.
ويروي الشافعي عن نشأته، فيقول: كنت يتيماً في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم، وقد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب وأخفف عنه، وحفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر، ولما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة وكان منزلنا في شعب الحيف، ما كنت أجد ما أشتري به القراطيس فكنت آخذ العظم وأكتب فيه واستوهب الظهور - أي الرسائل المكتوبة - وأكتب في ظهرها، فعدت إلى أمي أقول لها: يا أماه تعلمت الذل للعلم والأدب للمعلم.