دنيا

نسيبة بنت كعب.. فارسة الجهاد والغزوات

القاهرة (الاتحاد)

نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية، من بني النجار، كنيتها «أم عمارة»، ممن يُضرب بهن المثل في التضحية بالمال والأولاد، فارسة في الجهاد والغزوات، إحدى المرأتين اللتين حضرتا بيعة العقبة وبايعتا النبي صلى الله عليه وسلم، من المبشرين بالجنة، تزوجت زيداً بن عاصم المازني، ثم تزوجها غزية بن عمرو الأنصاري.
تميزت بالإخلاص لدينها، وشجاعتها في الزود عنه، حازت كل خصال الشرف، أقبلت على ساحة المعركة، وشهدت أغلب الغزوات، ففي موقعة أُحد ظهرت بسالتها، وانطلقت تقاتل قتال الأبطال مع زوجها وابنيها، فكانوا من القلائل الذين ثبتوا مع النبي ودافعوا عنه، وأدخلت بشجاعتها الرعب في قلوب الأعداء، وجُرحت بضع عشرة جروح بالسيوف والنبال، فلما انتهت المعركة أعُجب النبي صلى الله عليه وسلم بشجاعتها ومدح أداءها، فقال: «لمُقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان»، ودعا لها ولأسرتها بقوله: «بارك الله فيكم من أهل بيت»، وفي رواية: «رحمكم الله من أهل بيت»، فلما سمعته نسيبة قالت: يا رسول الله، ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة»، قالت: ما أبالي ما أصابني بعد ذلك في الدنيا.
زرعت في أولادها حب الجهاد وإيثار الآخرة، وأخذت تحضهم على نيل شرف الشهادة، تحلت بالرضا بقضاء الله والتسليم لأمره، عُرفت بصبرها، فعندما جاءها الخبر بمقتل ابنها حبيب على يدي مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في قومه باليمامة، قالت: «لمثل هذا أعددته وعند الله احتسبته»، فاستأذنت الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الخروج لقتال مسليمة، ولم تكترث بعمرها الذي زاد عن الستين، فأذن لها، وعندما قتل ابنُها عبد الله، مسيلمة، سجدت لله شكراً أن خلّصهم من مسيلمة وكفره وكذبه، وانتهاء الفتنة.
صوامة قوامة كثيرة التعبد لله، اشتهرت بالكرم والجود، عُرفت بمكانتها عند النبي، وكان يزورها، فدخل عليها ذات مرة فقدمت إليه طعاماً، فقال: «كُلي، فقالت: إني صائمة، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الصائم تُصلي عليه الملائكة إذا أُكل عنده حتى يفرغوا».
زاد الإسلام من مكانتها ورفع من شأنها، وأكرمها الله بنزول آية تبشرها بالمغفرة والأجر العظيم، فلما أتت النبي، قالت: «ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟»، فنزلت آية: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)، «سورة الأحزاب: الآية 35»، فسُر قلبها وشحذت همتها للفوز بالدارين.