دنيا

الترويح عن النفس.. حاجة إنسانية

ماجدة محيي الدين (القاهرة)
أباح الإسلام الترويح عن النفس باعتباره حاجة إنسانية، وهو مباح في الشرائع كافة طالما يتم وفق ضوابط وبشكل متوازن دون إفراط، وتتضمن سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، مع زوجاته وصحابته، رضي الله عنهم، الكثير من المواقف التي تدل على مفهوم الترويح في ضوء القيم والمبادئ الإسلامية، بل وأهميته لما فيه من فائدة للمسلم تجدد نشاطه الذهني والنفسي والبدني.
والترويح.. كلمة تعني السعة أو الفسحة والانبساط، وإزالة التعب والمشقة، وإدخال السرور على النفس، والانتقال من حال إلى حال آخر أكثر تشويقاً.
ويقصد بالترويح مختلف الأنشطة غير الضارة التي يمكن أن يقوم بها الإنسان أو الجماعة في أوقات الفراغ بهدف تحقيق التوازن، وتجديد النشاط والهمة في ضوء القيم والمبادئ الإسلامية من خلال الاسترضاء، أو إدخال السرور على النفس والتخلص من المشقة والإجهاد في العمل.
وتظهر قيمة الترويح عن النفس في قول الرسول، عليه الصلاة والسلام «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت»، وقد كشفت الدراسات النفسية الحديثة أهمية التوازن في حياة الإنسان، بحيث يؤدي ما عليه من مهام ضرورية في حياته، منها الأنشطة الذهنية التي يحتاج إليها في عمله، وكذلك ما يفرض عليه من أعباء بدنية إلى جانب أدائه للفروض والعبادات والطاعات التي أمرنا الله عز وجل بها.
وأشارت تلك الدراسات إلى أهمية النشاط الترويحي في أن يكتسب الإنسان خبرات ومهارات وأنماطاً معرفية تساهم في تنمية التذوق والموهبة وتزيد قدرات الإنسان على الإبداع والابتكار، وتسهم الأنشطة الترويحية في إبعاده عن الميل للعنف والتفكير السلبي، أو الوقوع في الجريمة، وهي تجعل الإنسان يتخلص من الآلام النفسية أو الجسدية، أو على الأقل تخفف من وطأتها.
وقد روي في صحيح مسلم من حديث حنظلة، رضي الله عنه، حيث قال للرسول عليه الصلاة والسلام «نافق حنظلة يا رسول الله.. فقال صلى الله عليه وسلم: «وماذاك»؟.. قال «يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنّا نراها رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً»، أي انشغلنا وعالجنا معايشنا وحظوظنا في الدنيا، فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده.. لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وكررها ثلاثاً».
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: «صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً».
وقد أوضح نبي الرحمة أن الإسلام دين رحمة، وأن الله سبحانه وتعالى رؤوف رحيم بعباده وديننا الحنيف هو دين يراعي الفطرة الإنسانية التي خلق الله عليها عباده والإفراط حتى في العبادة الشرعية أمر غير مطلوب، ويدلنا على ذلك قوله، صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول، فليضجع»، (رواه مسلم).
وقد نبهنا الرسول إلى أن الأصل في الأمور هو الإباحة، ومن ذلك الترويح والحصول على قسط من الراحة وعدم المبالغة والإفراط لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق»، وقال: «ما أحل الله في كتابه، فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسياً ثم قرأ: (وما كان ربك نسياً)».