دنيا

عبيد الكتبي لـ «الاتحاد»: الموائد ممتدة بالخيم الرمضانية في أستراليا

عبيد الكتبي يتحدث عن ذكرياته الرمضانية (تصوير عمران شاهد)

عبيد الكتبي يتحدث عن ذكرياته الرمضانية (تصوير عمران شاهد)

نسرين درزي (أبوظبي)

أن تجلس مع سفير الدولة في أستراليا وجزر محيط الباسفيك الدكتور عبيد الحيري سالم الكتبي، نائب القائد العام لشرطة أبوظبي سابقاً، وعضو المجلس التنفيذي، الآتي من السلك العسكري إلى السلك الدبلوماسي، يعني أن الحوار مفعم بالحزم والسلاسة وبحرفية المتحدث ولباقته وحنكته. كل شيء من حوله موضوع في مكانه وكل خطوة يخطوها محسوبة مسبقاً وتأتي في أوانها. شدة تنظيمه سمة غالبة مع أنه كثير التنقل ولا يجلس في مدينة واحدة لأكثر من أيام حتى أنه صنِّف قبل أشهر من ضمن الـ5 أشخاص الأكثر تجوالاً في مناطق الداخل الأسترالي.
في حوار لـ«الاتحاد» تحدث السفير الكتبي عن رمضان في الجانب الآخر من الأرض وكيف يمضي أيامه هناك بطقوس إماراتية خاصة، وروى حكايات من طفولة أحبها وعاشها موازياً بين اللعب والجد مما شكل شخصيته الفذة. وهو عندما قرر التميز في أدائه المهني، كان له ما أراد على مدى سنوات طويلة من الخدمة الوطنية بشتى أشكالها.

ركض حول البحيرة
موعدنا مع السفير الكتبي كان في منزله بأبوظبي الساعة التاسعة صباحاً عندما صودف وجوده لبضعة أيام في البلاد.. وصلنا قبل الموعد بنصف ساعة وإذ بالحارس يفاجئنا عند باب السيارة بدعوتنا للدخول، وكان السفير بانتظارنا في مجلسه مستعداً لبدء الحوار في تمام الثامنة والنصف. استهل ترحيبه بنا قائلاً «أنا أستيقظ يومياً الخامسة فجراً وأستغل الفترة الصباحية بالكثير من الإنجازات، خسارة أن نزهق بدايات يومنا بالنوم والتكاسل بدلاً من الإشراقات الذهبية». سألناه عن سر الدقة الواضحة في حياته وما إذا كان اكتسبها من عمله في السلك العسكري، فأجاب أنه لطالما أدرك قيمة الوقت وأهمية إدارته كسرٍّ من أسرار النجاح ولم تخذله قناعته يوماً.
وذكر أنه على الرغم من وجوده في أستراليا بعيداً عن أفراد أسرته، لكنه متابع جيد ليومياتهم كما أنه يمنحهم في الإجازات والمناسبات الوقت النوعي الذي يحتاجونه معاً.. وقال إنه اعتاد قضاء شهر رمضان في أستراليا حيث يسير يومه كما العادة مع تأجيل موعد الرياضة إلى ما قبل صلاة التراويح.. وغالباً يمارس المشي أو الركض برفقة الأصدقاء حول البحيرة، وهو أسلوب حياة يتبعه دائماً كجزء من اجتماعاته غير الرسمية.

خيمة رمضانية
من الضرورات على مائدة السفير في رمضان أطباق الهريس والثريد واللقيمات، وهو يصطحب معه إلى مقره في كامبرا طاقمه الخاص من الطهاة وعمال المنزل الذين يلازمونه منذ سنوات طويلة. وينشغل السفير في الأسبوعين الأولين من رمضان بإقامة المآدب في الخيمة الرمضانية للسفارة والتي يدعو إليها مختلف الأطياف والأعراق في كل مناطق الدولة ولاسيما في الولايات التي يتواجد فيها الطلبة الإماراتيون. وموائد الإفطار لا تقتصر على كرم الضيافة وحسن الاستقبال، وإنما تتخذ المنحى الاجتماعي والخيري بالإضاءة على مظاهر التسامح والانفتاح. والتي تدخل في صميم السياسة الداخلية والخارجية لدولة الإمارات، حيث ينعم السكان والزوار بأعلى معايير الأمن والسلام.

الصوم من «الثامنة»
يعود السفير عبيد الكتبي بذاكرته لأيام الطفولة في رمضان قائلاً إنه بدأ يصوم في عمر 8 سنوات لساعات قليلة في اليوم، وكان يحلو له تناول سمك التونة بغير علم من أحد. وما أن بلغ العاشرة من عمره حتى أخذ بالالتزام الكلي والشعور بالراحة وسط رفاقه من جيران الفريج. وذكر أنه ما زال حتى اليوم يحن إلى تلك المرحلة التي يفتقدها في ظل تسارع الحياة، و«الجلسات المسائية بين الأهل والأقارب أمور يجب أن تستمر لأنها من العادات الإماراتية، التي لابد من الحرص عليها».
ويرى السفير الكتبي أن مظاهر رمضان كانت أجمل في السابق لأن الناس كانت أقرب إلى بعضها بعضاً كما أن ظروف الحياة قد تغيرت. ويفاخر بأن دولة الإمارات تنبهت باكراً إلى الحفاظ على اللحمة الاجتماعية بفضل البرامج الوطنية التي تدعمها الحكومة وتدعو إلى حماية الهوية وحفظ التراث.
وتحدث السفير عن التواصل مع الطلبة الإماراتيين المتواجدين في أستراليا خلال شهر رمضان، وذكر أنهم محاطون على مدار العام بكل الرعاية والاهتمام، وهم منتشرون في أكثر من ولاية بحسب اختصاصاتهم. و«لا نكتفي بدعوتهم لموائد الإفطار التي تقيمها السفارة للدبلوماسيين في كامبرا، وإنما نسافر إليهم في عطل نهاية الأسبوع للاطمئنان على أحوالهم وقضاء أمسيات رمضانية وسطهم. كما نجمعهم بكبار الأكاديميين والعاملين في الحقل العلمي لتعزيز مفاهيم التقارب فيما بينهم».

ما بين الحزم واللين
ويعترف السفير الدكتور عبيد الكتبي الذي أمضى أكثر من 37 عاماً ما بين العمل العسكري والشرطة، بأن الحقل الدبلوماسي أضاف له الكثير ولاسيما أنه مؤمن بضرورة منح كل مهمة الدور الذي يناسبها. وتحدث عن الفرق بين العمل في قيادة الشرطة وبين تمثيل الدولة في الخارج. «وإذا كان الحزم واجباً على أرض الوطن، فإن التعامل بليونة ضرورة ملحة لفتح شبكة علاقات مع الشعوب الأخرى».
وأكد السفير أن واجباته الدبلوماسية تشرفه ولاسيما أنه مثل الدولة سابقاً في الكثير من المحافل أثناء عمله في السلك العسكري. وعندما كان رئيس هيئة الإمداد في القوات المسلحة عام 2001، قابل كمبعوث من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، رئيس الدولة اللبنانية إميل لحود لتقديم برنامج المساعدة في رفع الألغام من الجنوب اللبناني.

ملتقى عيال زايد
منذ قرابة 3 سنوات تسلم السفير الكتبي حقيبته الدبلوماسية في أستراليا وتولى مهامه كسفير غير مقيم في محيط الباسفيك وجزيرة فانواتو وجزر سليمان والساموا. وإلى جانب رسالته في توطيد أفضل العلاقات بين الدولتين، خطى خطوات متقدمة في تسهيل أمور الإماراتيين المسافرين إلى أستراليا والمتواجدين فيها، ومن أبرزها الحصول على إمكانية استخدام البوابات الإلكترونية الذكية عند الخروج من 9 معابر في مختلف المدن، فيما العمل جارٍ حالياً على بوابات مثيلة عند الدخول إلى القارة.
وأكد السفير عبيد الكتبي أن الإمارات تملك أفضل العلاقات السياسية والاقتصادية مع أستراليا، مشيراً إلى أن شركات الطيران لعبت دوراً بارزاً في تسهيل التواصل بين الشعبين عبر فتح خطوط سفر مباشرة بين الدولتين بما لا يتجاوز 14 ساعة. وذكر أن السفارة تعمل على نشر ثقافة البلاد ليس فقط في العاصمة كامبرا وإنما في مختلف الولايات الأسترالية الأخرى أيضاً حيث يجري التسويق داخل الحكومات الاتحادية حول عادات الشعب الإماراتي وتقاليده.
ولفت السفير إلى جانب مهم من عمل السفارة بإقامة فعاليات دورية يدعى إليها كل الدبلوماسيين من دول العالم بالاشتراك مع طلبة الإمارات في جامعات أستراليا عموماً. والأمر برأيه يعد من أفضل صور التعايش بين الشعوب وتقديم مشهد مشرف عن دولة الإمارات التي ينظر إليها في الخارج كنموذج حضاري يحتذى به، وتنظم السفارة في أغسطس المقبل «ملتقى عيال زايد» بالعاصمة كامبرا وعلى مدى يومين بحضور معالي أحمد الفلاسي وزير التعليم العالي ونخبة من المسؤولين والطلبة من الجانبين الإماراتي والأسترالي.

3 ماجستير ودكتوراه
تنقل السفير الدكتور عبيد الكتبي في حياته المهنية بين المراتب العسكرية والدبلوماسية وكان رئيس معرض أيدكس الدولي. وهو حائز 3 شهادات ماجستير: في الأعمال من جامعة ساوث ويسترن بلندن، الإدارة الهندسية من جامعة باريس 6، استراتيجية الموارد الوطنية من جامعة الدفاع الوطني بواشنطن. وحاز الدكتوراه من جامعة لندن عام 2013 حول كيفية نقل وتثبيت التكنولوجيا في دولة الإمارات.

متحف في بيت
يمتلك السفير في منزله بأبوظبي متحفاً شخصياً يعرض فيه مسيرته المهنية من خلال مقتنيات وصور تروي رحلة أكثر من 40 عاماً من الإنجازات والإصرار على النجاح في المهام الكثيرة التي أوكلت إليه، وكان يتعامل معها دائماً بالإصرار والإيجابية والعزم والمثابرة. ويلخص المتحف تجربة استثنائية تترجمها أهداف وأفعال ورسائل تحفيز للأجيال.