ثقافة

حتى في الجنة المفقودة.. لا يمكنك الهروب منك!

منحوتة الفنان فريدريك رادوم (من المصدر)

منحوتة الفنان فريدريك رادوم (من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

لمحة ذهول تنتابك، عند رؤية عمل للفنان فريدريك رادوم، ضمن مجموعة بعنوان «هاسيندا بارادايس - تجربة يوتوبيا»، منحوتة حيّه بإيقاعها البصري لرجل ميت، يلقفه طائر بمنقاره في محاولة لانتشاله نحو السماء، أو ربما الصعود به على أغصان الأشجار الصلبة، ليتسنى للروح أن تنساب بخفة الغموض المعتاد، إلى المصدر الكليّ. مستوى التعرجات العرضية الدقيقة لقميص الرجل، تُقدر لك مقدار حجم قوة الطبيعة، المتجسدة بين أقدام الطائر العابر للأقدار، أثار من خلالها الفنان فريدريك رادوم، «قضية غالاباغوس»، لمغتربين أوروبيين استوطنوا في ثلاثينيات القرن الماضي جزيرة فلوريانا، وهي جزيرة من جزر أرخبيل غالاباغوس واختفوا في ظروف غامضة، تضمنتها حالات قتل واختفاء. لا زال الباحثون يتناولون خباياها وبعضاً من مستجداتها، بأبعاد فكرية وفلسفية، نتاج قرار تبناه مجموعة من الأشخاص بـ«الحاجة» للخروج من بلدانهم والذهاب إلى جزيرة بعيدة، والاستقرار فيها عبر إبداع نظام حياتي مختلف تماماً، إلا أن الجزيرة لم تنجيهم أبداً من أنفسهم.. حتى في الجنة المفقودة لا يمكنك الهروب منك، فالمتأمل للأعمال يتوصل لإمكانية أن يغير الإنسان بيئته ومحيطه، كما يفعل باستمرار، إلا أنه يكرر فعل الاختلاق دون تجاوز فعلي لصراعه الداخلي!
شهرة «قضية غالاباغوس»، لا تقل في مستوى شعورها الثقيل المخيف على أنفس ضحاياها، عن مستوى قوة سؤال الإنسان عن المعنى من وجوده. عندما بدأت حكاية القضية، بإبداء طبيب ألماني يدعى فريدريك ريتر، رغبته الخروج من ألمانيا، والارتحال إلى جزيرة فلوريانا، مع أحد مرضاه، حيث وصف الكاتب كريستوفر مينستر، في إحدى مقالاته حول أبعاد تاريخية الحادثة، أن الجزيرة بطبيعتها قاسية ولا ترحم، إلا أن الطبيب عمد إلى بناء منزل من الصخور والخشب، واضعاً لنفسه نظاماً غذائياً نباتياً، لتنطلق بعدها أخبار حول ما أقدم عليه الطبيب، ما فتح المجال لانضمام المزيد من المستوطنين لخوض التجربة، والتي نتج عنها فيما بعد حالات مرعبة من الصراع في حياة المغتربين أنفسهم.
اللافت أن الحادثة بمجملها، لم تقف عند حدود الأحاديث العابرة، بل تحولت في أكثر من مناسبة إلى إلهام متكامل لإنتاج أعمال إبداعية في المجال السينمائي، من بينها فيلم: «قضية غالاباغوس: الشيطان جاء إلى جنة العدن»، للمخرجين دانيال جيلر وديانا جولدفاين، كتب حوله الناقد السينمائي ستيفن هولدن في صحيفة «نيويورك تايمز»: إن الدروس واضحة وتتكرر، أينما ذهبت، لا يمكنك الابتعاد عن نفسك. بمجرد أن يتم اختراق المساحة الخاصة بك، فإن الصراع على السلطة المعتادة سيأتي بشكل حتمي. حتى في الجنة، لا يمكنك الهروب من إنسانيتك.
في منحوتة الفنان فريدريك رادوم، يتساءل المشاهد عن مدى إمكانية الطائر حمل الرجل، الذي يبدو ميتاً، وتحول فجأة إلى ريشة خفيفة، ولكن مع اكتشاف الحكاية يتوصل المستفهم أن الروح هي سر الجاذبية الفعلية، بمجرد أن تخرج من الجسد، كل شيء يفقد تمسكه بالأرض. وعند التقصي القريب من أقدام الرجل ويديه، تراهم مستسلمين كلياً لحالة الذبول. والساحر في الطرح الفني، أنه بالرغم من عدم وضوح المصير النهائي لكل تلك القصص، المتضمنة للكثير من التوجس لفعل القتل الجدلي بين المغتربين، الذي ذهبوا إلى الجزيرة للسكينة، وإذا بأنفسهم تباغتهم. متى سيعي الإنسان بأن الأمر لا يتعلق بانعكاس المرآة الخارجية لحياته، وأن المسألة هو ذلك الصوت الداخلي الباهت في ألوانه، المتجذر بشذوذ في تكوينه، والحل لا يستدعي الذهاب إلى جزيرة، بل الجلوس في اللحظة، والانصات لهذا الصوت، الذي يطالب بحرية حضوره، أمام مقاومة،‏‏هروب،‏‏قمع الدائم من قبل الإنسان!