رأي الناس

مهاتير محمد... الملاح العتيق

مهاتير، رجل المعجزات التنموية والقفزات الاستثنائية وعرّاب صناعة الأوطان، قائد من طراز خاص، قاد قاطرة شركة استثمارية بشرية مجالاتها زراعية وصناعية وتعليمية وتكنولوجية ومجتمعية، ذات أسهم قياديّة عبر رئاسته «لاتحاد ماليزيا» من1981 إلى 2003، ليصنع في عشرين عاماً ماليزيا الحديثة، إحدى أقوى اقتصادات النمور الآسيوية.
سيكمل الرجل في يوليو المقبل عامه الـ93، ليصبح أكبر زعيم في العالم، إلا أن رسالته أكبر وبصمته أعمق وأفقه أوسع، وهمته عالية بروح متجددة حالمة عاشقة نحو المزيد من العطاء والارتقاء، ولسان حاله «لدي حلم»، وكأن مهاتير محمد يرسل رسالة إلى شعبه بعد فوزه الساحق برئاسة الوزراء منذ أيام: «شعبي الوفي، أعتذر لكم.. خلال فترة رئاستي الأولى نقلت متوسط دخل الفرد سنوياً من 1250 دولاراً إلى نحو 8850 دولاراً فقط! لهذا أنا عُدت لأكمل الحلم وأصحح المسار، فلا يزال في كتابي صفحات، وفي جعبتي مفاجآت، ولرؤيتي محطات وشغفي بوطني رحلة عشق بلا حدود».
بعد 15 عاماً من استقالته ظل خلالها متابعاً ومراقباً ومنتقداً لسياسات السلطة الحاكمة، يعود اليوم لقيادة ماليزيا لعامين لا ثالث لهما، ليصحح «أكبر خطأ في حياته» وهو تقاعده، وبرغم إنجازاته يُباغِت الجميع باعترافه واعتذاره عن أخطائه، أهمها رد الاعتبار لنائبه السابق «أنور إبراهيم»، الذي قَبِل الاعتذار برغم مرارة السجن، ليرسم الرجلان أجمل لوحة تصالح وتسامح في تغليب المصلحة العامة لماليزيا على الخلافات الشخصية، تماماً كما فعل نيلسون مانديلا.
ماليزيا معجزة تنموية، ولكن مهاتير معجزة بحجم دولة، شاب تسعيني حيوي متجدد، صاحب رؤية لا تشيخ، يمتلك مجهر التشخيص الواقعي، ومشرط النهج الوسطي باستدعاء الموروث الحضاري الإنساني المشترك، القائم على الإعمار والإتقان والتعددية واحترام الآخر.
أدرك مهاتير أن الأوطان كالأنهار تحتاج ماءً رقراقاً يروي الظمأ ويهب الحياة، بإرادة لا تعرف الانكسار أمام عولمة غاشمة، فصنع أمة، وسار مع المواطن في احتياجاته وطموحاته، فمن يمارس القيم الإنسانية بفاعلية يمتلك حاضره، يرسم مستقبله بكل ثقة واقتدار.
مهاتير ملاح عتيق يُتقن حرفة الإبحار بالأوطان نحو موانئ الأمل وعوالم الازدهار.