دنيا

خطاب من الله للمؤمنين.. أكل الطيبات

أحمد محمد (القاهرة)

خاطب الله عز وجل جميع البشر بأن يأكلوا مما أحله الله من الطيبات، حال كونه مستطاباً في نفسه، غير ضار بالأبدان والعقول، ثم نهاهم عن أن يقتدوا بآثار الشيطان فيما يزينه من المعاصي والفواحش والمنكرات، وعن أن يتبعوا خطواته، وأنه عظيم العداوة، وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل، كما نهاهم عن أن يفتروا على الله بتحريم ما أحل أو تحليل ما حرم، وخاطب الله المؤمنين، لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، «سورة البقرة: الآية 172».

العبد المؤمن
قال الإمام الشيخ متولي الشعراوي، هذا خطاب من الله للذين آمنوا بأن يأكلوا من الطيبات، إن الحق سبحانه وتعالى حين يخاطب المؤمنين فهو يعطيهم أحكام الإيمان، وعدل الله اقتضى ألا يكلف إلا من يؤمن، وهذا على خلاف مألوف البشر، لأن تكليفات القادة من البشر للبشر تكون لمن يرضى بقيادتهم ومن لم يرض، وإذا كان للقائد من البشر قوة، فإنه يستخدمها لإرغام من يوجدون تحت ولايته على تنفيذ ما يقول، وخطاب الله للمؤمنين هنا جاء بقوله: (... كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...)، ذلك أن المؤمن يتيقن تماماً بأن الله هو الخالق وهو الذي يرزق، ويذيل الآية الكريمة بقوله: (... وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، فشكر المؤمن للرب الخالق واجب، مادام العبد المؤمن يختص الله بالعبادة.
وقال الطبري، كلوا من طيبات ما رزقناكم، اطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم، فطاب لكم، مما كنتم تحرمون أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب، واشكروا لله، وأثنوا على الله بما هو أهله منكم، على النعم التي رزقكم وَطيَّبها لكم، إن كنتم إياه تعبدون، إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين، فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيَّبه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان.
وقد كانوا في جاهليتهم يحرمون بعض المطاعم، وهو الذي ندبهم إلى أكله ونهاهم عن اعتقاد تحريمه، إذ كان تحريمهم إياه في الجاهلية طاعة منهم للشيطان، واتباعا لأهل الكفر من الآباء والأسلاف، ثم بيّن ما حرم عليهم، وفصله لهم.

الأكل المعتاد
وقال القرطبي، خص الله المؤمنين هنا بالذكر تفضيلاً، والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه، وقيل هو الأكل المعتاد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال، يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم، وقال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك».
وقال السعدي، هذا أمر للمؤمنين خاصة، وذلك أنهم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي، بسبب إيمانهم، فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق، والشكر لله على إنعامه، باستعمالها بطاعته، والتقوي بها على ما يوصل إليه، فالشكر في هذه الآية، هو العمل الصالح، فدل على أن من لم يشكر الله، لم يعبده وحده، كما أن من شكره، فقد عبده، ويدل أيضاً على أن أكل الطيب، سبب للعمل الصالح وقبوله، والأمر بالشكر، عقيب النعم، لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة، ويجلب النعم المفقودة كما أن الكفر ينفر النعم المفقودة ويزيل النعم الموجودة.