دنيا

قصر الحصن.. أسطورة البناء في أبـوظبي

نسرين درزي (أبوظبي)

يترقب الجمهور افتتاح الموسم الرابع لمهرجان قصر الحصن من 3 إلى 13 فبراير لاستكشاف المزيد من حكايات القصر. والمهرجان بفعالياته التراثية والشعبية يجدد الولاء للهوية الوطنية التي يجسدها هذا الصرح التاريخي ووسط بيئة صحراوية يرجع الزمن إلى نحو 253 عاماً، حيث يشمخ قصر الحصن بملامحه البيضاء، مؤكداً بطولات الأولين. بناء عريق من مكعبات الطين يكمل بإعجازه العمراني المشهد الحيوي للعاصمة العصرية وأبراجها الشاهقة. من الخارج مساحات شاسعة تلفها أشجار الغاف الوارفة، ومن الداخل غرف واسعة ما زالت تحافظ على رونقها الآسر حتى يومنا على الرغم من تعاقب السنين.

أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق مهرجان قصر الحصن الذي يدعو سكان العاصمة وضيوفها إلى معايشة تفاصيل الحياة سابقاً والتعرف إلى أمجاد تروي رمالها كيف تصنع الحضارات وتخط الإنجازات، إذ يجسد القصر - الأسطورة، حقيقة أبوظبي في الدلالة على التوحد والتلاحم بين الناس ونمو الجزيرة لتصبح مع تعاقب الأجيال إمارة تواكب تطورات العصر مع ارتباطها بجذور الأصالة، وللحفاظ على الأمانة الثمينة والعريقة يشهد قصر الحصن على مدار السنة أعمال ترميم محترفة ينفذها، ويشرف عليها استشاريون ومهندسون حريصون على مفردات العمارة الأثرية في البناء التحفة.

لحظات مصيرية

عن الأهمية التاريخية لقصر الحصن في وجدان شعب الإمارات، أكد الموجه التراثي فلاح بن بشر المري فخره بالمكان الشاهد على أبرز المحطات التي شكلت ملامح الإمارة، وأهمها كان أواخر الستينيات حين أمر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه) ببناء مقر المجلس الاستشاري الوطني بمحاذاة القصر، وقال إن اللحظات المصيرية الأولى بتاريخ الدولة سجلتها جدران القصر وقاعاته وباحاته مع انعقاد الاجتماعات التي ناقشت قيام اتحاد الدولة عام 1971.

وأضاف «نحن أهل الإمارات نثمن الحصون والقلاع وأبراج الحراسة التي لولاها ما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. هذا تاريخنا الذي نفتخر به ونسعى إلى توريثه كما تدعو الأمانة»، واعتبر المري أن مهرجان قصر الحصن بمبادرته الوطنية أفضل دليل على أصالة أبناء الإمارات في الإضاءة على التحديات الشاقة التي واجهها الأجداد من سكان البادية والبحر، وهم بنوا من الحصى المتناثرة والمواد الأولية هذا القصر الحصين ومثله الكثير على امتداد الساحل، وفي الداخل، محولين بسواعدهم الصحراء القاحلة إلى روضة مزروعة بالخير.

وتطرق فلاح بن بشر المري إلى أولى حكايات قصر الحصن التي تمتد إلى القرن الثامن عشر عندما ظهرت المياه العذبة في جزيرة أبوظبي وكانت الفكرة تشييد برج لمراقبة المكان، ومن ثم تحويله إلى حصن، ثم مقر لإقامة أسرة آل نهيان الحاكمة، وهو أول مبنى تم تشييده في الإمارة، وكان يعد دليلاً للتجار المقبلين على المدينة من مختلف المناطق.

وتناول الحكمة التي تمتع بها زايد الخير خلال حكمه بحيث أدرك أهمية القصر، مؤكداً ضرورة ترميمه والحفاظ عليه كمعلم حضاري دائم للأجيال.

مسيرة كفاح وعزيمة

وتتم أعمال الترميم حالياً على أيدي فريق من الخبراء المتعددي التخصصات، حيث تجري إزالة المعدات الميكانيكية والكهربائية وسواها من أنظمة الخدمات القديمة، لتحديث مرافق ووظائف المبنى مع الإبقاء على طابعه المعماري الفريد، وهو ما يتماشى مع خطة إدارة الترميم التي اكتملت حديثاً، وسوف يلمس زوار الموسم الحالي تغيرات كبيرة في قصر الحصن بعد إزالة المزيد من الطبقات التي أضيفت إلى الجدران الخارجية في ثمانينيات القرن العشرين، وسوف يتمكن الزوار من الاطلاع على المواد التي تم استخدامها في عملية البناء الأولى بالتزامن مع استعادة الحالة الأصلية لواجهته الخارجية. مع حرص الجهات المعنية على تحقيق التوازن بين اعتماد المواد التقليدية والتقنيات الحديثة لإعادة القصر إلى صورته في الفترة من 1939: 1945

وانطلاقاً من عراقة قصر الحصن وأهميته تم إطلاق المهرجان للاحتفال بالماضي العريق وقرون من الثقافة الإماراتية الأصيلة، حيث تروى قصص الأجيال الأولى من الإماراتيين ويدعى الزوار إلى استكشاف حياة الأولين.

ويستطيع الزوار عبر المشاركة في الأنشطة فهم الأسس العميقة والراسخة التي قامت عليها النهضة الحضارية التي تعيشها الدولة اليوم. مع الإضاءة على مسيرة الكفاح والعزيمة والمثابرة والإبداع لشعب الإمارات وأهمية استدامة هذا الإرث التاريخي.

ورش عمل

وجديد المهرجان لهذه السنة، عودة مناطق الصحراء والبحر والواحة وجزيرة أبوظبي، إلى جانب منطقة جديدة هي قصر الحصن حيث تقام في كل منطقة ورش عمل تفاعلية وأنشطة تُعيد تجسيد تلك البيئات، وتستضيف منطقة المسرح سلسلة من العروض الفنية والأنشطة العائلية التي تعكس الأهمية الثقافية للمكان، ودوره في تطور إمارة أبوظبي ومجتمعها.

تجربة قهوة

ويحتضن مبنى المجتمع الثقافي خلال الحدث التراثي تجربة «قهوة» للاحتفاء بتقاليد القهوة التي سجلتها اليونسكو ضمن قائمتها لعناصر التراث الثقافي غير المادي، وستتم كذلك إعادة افتتاح أجزاء من مبنى المجمع الثقافي أمام الجمهور، خلال فترة المهرجان، والذي سيضم معارض وأنشطة تعليمية وثقافية مفتوحة للزوار، وسوف يشمل المهرجان مركزاً للفنون البصرية وفنون الأداء وورش عمل الفنون التراثية والحرف التقليدية وتجارب تعليمية وثقافية تفاعلية تحت إشراف خبراء متخصصين.

ويفتتح قصر الحصن أبوابه أمام الزوار على مدى 11 يوماً من 3 - 13 فبراير، وسيحظى الزوار بفرصة القيام بجولات تعريفية في الحصن للاطلاع على أعمال الترميم الجارية، كما يمكن للزوار الدخول إلى المجلس الوطني الاستشاري سابقاً، والذي شهد اتخاذ عدد من القرارات التاريخية المهمة، ويشتمل المهرجان على مجموعة متنوعة من العروض الفنية على المسرح وأماكن متفرقة أخرى. بينها: باب الخير، سفاري ليلية، عرض الطيور، العرض الثقافي، عرض الأطفال، الأغنية الشعبية والشعر.

وسيتم إغلاق قصر الحصن بعد انتهاء المهرجان حتى يتمكن خبراء الترميم من مواصلة أعمالهم، وتحقيق الهدف النهائي المتمثل في الحفاظ على الحصن للأجيال المقبلة، مع الإبقاء على معرض قصر الحصن مفتوحاً أمام الزوار على مدار العام.

عروض شعبية

تنعم الوفود الزائرة للقصر خلال أيام المهرجان من 3 - 13 فبراير بجولات تعريفية حول التصاميم الأثرية والأدوات المعيشية لمجتمع أبوظبي، وتتمثل في البناء والشعر وفنون الحياكة بالخوص والتلي والمشغولات المستوحاة من التراث، ولوحات الفلكلور والعروض الشعبية ورقصات اليولة والعيالة.

إعجاز معماري

تشييد قصر الحصن الذي اعتبر في ذلك العصر سابقة عمرانية، إذ إن المواد المستعملة في بنائه من الأحجار المرجانية والبحرية التي يصعب رصها. والإعجاز في اعتماد الطلاء المناسب للظروف المناخية وهو خليط من الرمال والكلس والأصداف المطحونة. أما الأرضيات التي بقيت على حالها، فهي مغطاة بخشب أشجار القرم ومثلها الأسقف بحسب التصميم التقليدي، والذي تحول في مرحلة لاحقة إلى معجم لفنون العمارة الأصيلة.