ثقافة

محمد مشبال: مشروعي توسيع البلاغة لتشمل الأدب والخطابة

مشبال وكتابه الفائز بجائزة زايد للكتاب (أرشيفية)

مشبال وكتابه الفائز بجائزة زايد للكتاب (أرشيفية)

إيهاب الملاح (القاهرة)

لم يكن فوز الناقد والأكاديمي المغربي د. محمد مشبال بجائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع العلوم الاجتماعية) مفاجئًا للمتابعين؛ فالرجل صاحب إنجاز لافت وأصيل في مجال الدراسات النقدية والبلاغية، خاصة بلاغة الحجاج التي حظيت باهتمام الدوائر النقدية والأكاديمية في العالم العربي في السنوات الأخيرة.
كان مهمًا أن تتوجه إليه «الاتحاد» بالسؤال عن مشروعه العلمي حول تجديد الدرس البلاغي وإغناء حقله بمستجدات العلم منهجياً وثقافياً، وعن التكريم الذي حظي به في أبوظبي. وجاءت إجابات مركزة، مضيئة مكثفة، يقول:
«منذ كتاباتي الأولى، سعيت إلى إثبات أن البلاغة العربية هي بلاغة أدبية شعرية في المقام الأول، تستطيع أن تقول الآن إنّ مشروعي قائم على توسيع البلاغة لتكون بحق كما قال حازم القرطاجني (ت 684) «علماً كلياً» شاملاً لصناعتي الأدب والخطابة (أو بلغتنا اليوم شاملاً للخطابين التخييلي والتداولي)».
يرى الدكتور مشبال أن البلاغة بلاغتان: بلاغة الأدب بأنواعه المختلفة، وبلاغة الحجاج الذي يمكن أن تجده في كل الخطابات بدرجات متفاوتة؛ يقول «كتاباتي تسير في هذين الاتجاهين؛ اتجاه تطوير بلاغة الأدب بالانفتاح على فن الرواية (في هذا السياق أنجزت مقاربة بلاغية أدبية لنصوص روائية)، واتجاه تطوير بلاغة الحجاج بالانفتاح على أنواع خطابية حجاجية قديمة وحديثة».
أستطيع أن أقول لك «إن البلاغة الحجاجية الأرسطية قدمت لنا تصوراً نسقياً متماسكاً للخطابات الحجاجية، ما كان علينا سوى صقله وتعميقه، بالاستفادة من حقول معرفية جديدة مثل التداوليات ولسانيات التلفظ وتحليل الخطاب، وغيرها (هذا ما قمت به في كتابي بلاغة الحجاج)».
جملة القول في مشروعي، هو تطوير الحقل البلاغي وتعميق كفايتيه الوصفية والتأويلية لأنواع وأنماط مختلفة من الخطابات، إيماناً مني بأن النظرية البلاغية أوسع من النظرية الأدبية، وأقدر على استيعاب الاهتمامات المتحولة عند الإنسان المعاصر.
للدكتور مشبال كتاب قيّم، حلّل فيه رسائل الجاحظ أدبياً ونقدياً من منظور بلاغة الحجاج؛ سألناه عما يميز هذا الكتاب منهجياً وإجرائياً عن الكتب الأخرى التي تعرضت لتحليل نصوص الجاحظ؛ فأجاب موضحاً: «في بداية التسعينات أتيحت لي فرصة تدريس النثر العباسي في كلية الآداب بتطوان المغربية، ولأني أنفر بطبعي من الارتكان في التدريس إلى المراجع الضعيفة؛ فقد عزفت عن المراجع التأريخية والبلاغية التقليدية التي كانت سائدة في تلك الفترة عن هذا النثر، وفضلت الاشتغال على نصوص محددة من رسائل الجاحظ».
استوقفتُه متسائلاً عن الصعوبات التي قد تكون واجهته أثناء القيام بهذه المقاربة التحليلية؛ فأوضح «لا أنكر أنني وجدت صعوبة في مقاربتها مقاربة بلاغية جمالية، خاصة تلك الرسائل التي لا يبرز فيها البعد التصويري مثلما يبرز في رسالة «التربيع والتدوير»؛ وهذا ما جعلني أوجه اهتمامي للسرد الجاحظي بدل رسائله المتمنعة عن أدواتي العاجزة وقتئذ. في هذا السياق، عدتُ لرسائل الجاحظ مستثمرًا «بلاغة الحجاج»، وما راكمتُه من أفكار وتصورات بلاغية ونقدية مختلفة، حيث أنجزت مقاربة تحليلية خالصة، لأحقق ما عجزت عنه قبل سنوات. في هذه المقاربة سعيت إلى المزج بين القراءة البلاغية التقنية والقراءة التأويلية المتفاعلة مع النص.
وعن المشروع الذي يعكف عليه حالياً، أكد أنه يتفرع إلى أكثر من اتجاه فـ»هناك مشروعات جماعية عديدة منها كتبنا الجماعية القادمة بتعاون مع قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة عن «البلاغة في العصر الحديث»؛ ابتداءً من أواسط القرن 19 إلى نهاية القرن العشرين، وكتاب «بلاغة الأشكال الوجيزة» بتعاون مع كلية جربة في تونس، وكتاب «فرقتنا عن البلاغة والمعرفة».
أما التكريم رفيع المستوى، رسمياً وغير رسمي، الذي حظي به في أبوظبي، أخيراً، فقال عنه د. مشبال: «في تقديري، فإن الكاتب والباحث الحقيقي قلما يعيش لحظة ابتهاج في حياته، لأنه طوال الوقت منعزل ومنهمك في القراءة والكتابة والتدريس والتصحيح، وعندما تتاح له مثل هذه الفرصة فإنه يشعر وكأنه يعيش حلماً».
واختتم د. مشبال «وبكلمة واحدة ستظل أبوظبي مقترنة في ذهني بأجمل لحظات عشتها في حياتي؛ إنها لحظات تكريم جهد مضن عشته لسنوات طوال».