دنيا

التفسُّح في المجالس.. من الأخلاق الرفيعة

القاهرة (الاتحاد)

أمر الله المسلم أن يتفسح لأخيه، فأدّب المؤمنين في مجالسهم بأن يفسح بعضهم لبعض، فمن فسح لأخيه وسع الله له ويفسح له في دنياه وآخرته، فالتفسح والتوسيع للحضور في المجالس من الأخلاق الرفيعة، واحتساب الأجر طاعة لله ورسوله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، «سورة المجادلة: الآية 11».
قال ابن كثير: يقول تعالى مؤدباً عباده المؤمنين، وآمراً لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس، فقلة التفسح خلق ذميم، ومسلك شائن، فهو ناتج عن ضيق في النفس، وحب في الاستئثار، وقلة مبالاة في الآخرين، ولهذا أدبنا الله عز وجل بأن نتفسح في المجالس، لما في ذلك من زرع للمودة، وتوثيق لعرى الأخوة، وتخلص من الأخلاق الذميمة.
ويقول عبد الرحمن السعدي، هذا أدب من الله لعباده إذا اجتمعوا في مجالس مجتمعاتهم واحتاج بعضهم للتفسح، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلًا لهذا المقصود، والجزاء من جنس العمل، لأن الله قال: (... يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ...)، ولما كان من الضروري أن تكون ثمة ضوابط لتنظيم مجالس الناس، فإن الإسلام بنظرته الواسعة وآدابه الأخلاقية والاجتماعية الجامعة، وضع للناس إرشادات واضحة وحدوداً صريحة يلتزمون بها في مجالسهم، لتحقق المجالس أفضل النتائج، ولتكون على أجمل صورة، ولتتنزه عن أي نقص.
والإنسان اجتماعي بطبعه، لا مفر له من مخالطة الناس والاجتماع بهم، ومن ثم تأتي الحاجة للمجالس، ولكن من الملاحظ أن بعض المجالس فيها آفات تحتاج إلى إصلاح، ولابد من معرفة الآداب، وطرق الإصلاح، ولكل شيء زينة، وزينة المجالس آدابها، وقد أعلى الإسلام من شأنها، وشرعها لتسلم من الآفات.
قال عمر بن الخطاب: مما يُصفي لك ودَّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس.
ومن آداب المجلس، السلام عند القدوم والذهاب، واستحباب المصافحة، وعدم القيام لمن لا يستحق القيام له، فلا يلزم القيام للقادم، وإنما هو من مكارم الأخلاق، وكان الصحابة لا يقومون للنبي صلى الله عليه وسلم أفضل البشر، وأن يجلس، حيث ينتهي به المجلس، فلا يتخطى الرقاب، ولا يزاحم الجلوس، وأن لا يفرِّق بين اثنين، ويحفظ أسرار المجلس.
قال الألباني: ليس من الآداب الإسلامية أن يقوم الرجل عن مجلسه ليجلس فيه غيره، يفعل ذلك احتراماً له، بل عليه أن يفسح له في المجلس وأن يتزحزح له إذا كان الجلوس على الأرض بخلاف ما إذا كان على الكرسي، فذلك غير ممكن، فالقيام والحالة هذه مخالفة لهذا التوجيه النبوي الكريم، وإن كان الجلوس متحلقين على شكل دائرة وسطها فارغ، فإنه لا يجوز لأحد أن يأخذ وسطها.
ومن آداب المجلس في الإسلام أن لا يخلو من ذكر الله، بالتسبيح أو التهليل أو التحميد أو الاستغفار، وإن كان المجلس لأمر دنيوي، فليفتتح بشيء من ذكر الله، وليختم بمثله حتى لا يستحوذ عليه الشيطان.
ومن هذا الأدب النبوي أن يختموا مجالسهم به، مما يسمى كفارة المجلس، قال صلى الله عليه وسلم: «من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك».