دنيا

حرم السفير العراقي لـ «الاتحاد»: «المحيبس» تستعيد تراث الألعاب الشعبية في رمضان

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تزور «الاتحاد» بيوت عقيلات، سفراء دول إسلامية، مقيمات في الإمارات، لتستكشف عادات وتقاليد الشعوب خلال الشهر الفضيل، الذي يجمع ويوحد بين المسلمين في شتى أرجاء العالم، مهما تباعدت المسافات والقارات. لكن بالطبع، يضع كل مجتمع بصماته الفريدة وفقاً لتراثه وبيئته، على مختلف طقوس شهر الصوم، بدءاً من استطلاع الهلال واستقبال الشهر، حتى الاحتفال بعيد الفطر. كل هذا ترصده «الاتحاد» على مدار الشهر الفضيل، عبر حواراتها اليومية مع قرينات السفراء.
تختلف العادات والتقاليد الرمضانية في الدول العربية والإسلامية، فلكل دولة طقوسها لاستقبال الشهر الفضيل والاحتفاء به، ويتميز رمضان في كل دولة من هذه الدول بعادات وطقوس متفردة قد لا نجد لها مثيلاً في بقية الدول، باستثناء الجانب الروحاني الذي يكاد يتوحد في جميع هذه الدول، فرمضان في العراق يتميز بكثرة التزاور بين الجيران، وإقامة الولائم العائلية وتبادل الأطباق، كما يتميز بانتشار لعبة المحيبس التراثية، التي تستهوي آلاف العراقيين من لاعبين ومشجعين.
هانزادة زهيد الروسان حرم سفير العراق في الإمارات الدكتور رعد الألوسي، التي استقبلت «الاتحاد» في بيتها ذي الطابع العراقي من ديكورات ولوحات ليسافر بزائره إلى ربوع العراق التاريخ والحضارة، تقول: «إن شهر رمضان في بلدها له نكهة خاصة، حيث تبدأ التحضيرات قبل بدايته، فيقوم الناس بشراء المواد الغذائية الأساسية والحلويات والعصائر التي تجهز في أكثر الأحيان في البيت، مشيرة إلى الالتزام الواضح بين الكل حتى بين صغار السن ممن هم دون سن التكليف، إذ يحرص أولياؤهم عادة على أمرهم بالصيام وغيره من العبادات تدريباً لهم منذ الصغر.

لعبة المحيبس
وتشير إلى أن العراق يعج بالعادات والتقاليد الاجتماعية التي تختلف من مدينة لأخرى، إلا أنه تظل هناك بعض المظاهر التي توحد جميع العراقيين مع حلول شهر رمضان المبارك من كل عام، حيث تنتشر لعبة المحيبس التراثية في الشارع العراقي الشعبي بشكل لافت للنظر، حيث تستهوي آلاف العراقيين من لاعبين ومشجعين، وتمارس في الأحياء والمقاهي الشعبية منذ مئات السنين، وقد اشتهرت في أقدم المحال البغدادية القديمة كالكاظمية والأعظمية والجعيفرية والرحمانية، فتقام مباريات بين أبناء المناطق المتجاورة، واللعبة من فريقين، يتكون كل واحد من عشرين شخصاً، ويجلس الفريقان بصورة صفوف متقابلة، ويقوم أحد أشخاص الفريق الأول بوضع خاتم «محبس» بيد أحد أشخاص فريقه، ويتم اختيار أحد الأشخاص من الفريق الثاني ليعرف «يحزر» مكان الخاتم، ويتم تسجيل النقاط لكلا الفريقين حسب عدد المرات التي تمكن خلالها من معرفة مكان الخاتم، والفريق الذي يحقق الحد الأعلى من النقاط «21 نقطة» هو الفائز.. ومن طقوس هذه اللعبة أن يتناول الفريقان والجمهور بعد انتهائها بعض الحلويات العراقية المعروفة «الزلابية والبقلاوة» التي يتحمل ثمنها الفريق الخاسر، وتهدف لعبة المحيبس إلى تقوية أواصر المحبة والصداقة .

أطباق رمضان
وعكست مائدة زوجة السفير تنوع الأطباق الرمضانية، حيث توضح أن المرأة العراقية تفضل إعداد الطعام بنفسها، حيث تختار لكل يوم: شوربة، تشريب، هريسة، كبة والغالب تكون كبة حلب، كبة برغل، كبة حامض، مخلمة، باجة، عروك كباب مشوي أو مقلي، تكة، دولمة، ومحلبي، زردة حليب، حلاوة تمر، مع الحلويات: «بقلاوة، زلابية، برمة، قطايف، شعر بنات ولبائع حلويات رمضان نداء خاص ومنغم وطريف أيضاً يعلن فيه عن سلعته.. «زلابية وبقلاوة وشعر بنات، وين أولى وين أبات أبات بالدربونة، أخاف من البزونة، أبات بالمحطة، تجي عليه البطة»، ومن الأطباق الأساسية الكباب العراقي والخضرة، حيث لا يفضل العراقيون تناول السلطات مقطعة، بل يضعون أطباقاً من الخضراوات بألوان مختلفة، بينما تزين أطباق الكباب بالمقدونس والريحان التي تمتص الدهون وتفرش له إلى جانب الخبز التنور، والطماطم المشوية، كما تحضر الكبة الموصلية، وهي مدورة وتقطع مثلثات، إلى جانب «بوطيطة شاب»، وهي عبارة عن أقراص البطاطا محشية بالقيمة «اللحم المفروم والقدونس والبهارات» والضولمة العراقية التي تتميز عن باقي المحاشي، حيث نحشي البصل إلى جانب مجموعة من الخضراوات بالقيمة ونضع على وجهها تمر هندي ودبس رمان ونفرش لها الباجلاء «الفول»، كما تتضمن المائدة الطرشي «المخلل العراقي».
وتضيف: «من الحلويات التي يتم تناولها عادة بعد صلاة التراويح المن والسلوى والقيمر والدبس والكاهي وهو عبارة عن فطير مشلتت، والقطايف والمهلبية، إلى جانب المكسرات، كما تتضمن المائدة الفواكه الموسمية».

انتعاش الأسواق
وتنتعش الأسواق وتدب الحياة فيها بعد الإفطار، حيث تقول هانزادة: «يتوجه العراقيون يومياً إلى سوق الشورجة في بغداد لشراء احتياجاتهم لإعداد شوربة العدس واللبن البارد والتمر والبرياني والمقلوبة ومرقة الباميا والدليمية والدلمة والكبة الحلبية، أما الحلويات فأشهرها البقلاوة والزلابية، ومن بين العادات الرمضانية تبادل الأكلات بين الأهل والجيران، حيث تقوم كل عائلة بإرسال طبق معين من الأكلات إلى جيرانها، مشيراً إلى أن المميز في العراق أن المساجد، تمتلئ بالمصلين من مختلف الفئات العمرية، وبعد ذلك ينطلق الأطفال في الطرقات وهم يتغنون بالنشيد المعروف: «ماجينا يا ماجينا حل الكيس واعطينا».


وداع رمضان
وتستعيد هانزادة ذكريات رمضان: «الإفطار على الماء والتمر وبعد صلاة المغرب يتناول العراقيون الوجبات الأساسية من شوربات وكباب وأنواع الكبة، وبعد صلاة العشاء منهم من يسهر في البيت ومنهم من يذهب إلى لعبة المحيبس أو لعبة الصينية، أما النساء فإنهن ينشغلن بتهيئة ملابس العيد وخياطتها وعمل الكليجة منذ بداية رمضان، أما الأولاد والصبيان فيلعبون مع أقرانهم من أولاد المحلة مختلف الألعاب الشعبية السائدة، أما في اليوم الأخير من شهر رمضان فيقف المسلمون لمراقبة هلال شوال وعند رؤيته يودعون شهر رمضان قائلين: الوداع يا شهر رمضان الوداع يا شهر الطاعة والغفران».
ومن العادات مدفع رمضان، الذي كان يستخدم لتنبيه أهل بغداد بموعد الإفطار، وذلك بطلقات صوتية في الهواء، ويرجع السبب في استخدام المدفع لانعدام الإذاعات ووسائل الإعلام آنذاك، وبقي تقليداً إلى اليوم وينتظره الأطفال بشغف كبير، حيث أضافت حرم السفير أن المسحراتي يقوم بالدور نفسه رغم انتشار وسائل التكنولوجيا، ويجوب في الشوارع لإيقاظ الناس، ويتقاضى أجره نهاية الشهر كـ «عيدية».
ويكثر العراقيون في رمضان من شرب الشاي العراقي بالهيل، ويحضر بين الفطور والسحور للتعويض عن ساعات الصيام، ولشدة ولع العراقيين بالشاي تفننوا في إعداد خلطته، وطريقة شربه، فالبعض يتناوله بالاستكان «الكأس» والبعض الآخر بالصحن بعد تطعيمه بالهيل، خاصة كبار السن، فمن العادات العراقية أن يتم ملء الكأس عن آخره، ويصب منه في الصحن ويشربه، وهناك من يخلط السكر معه، وغيره يشربه «دوش» أو «دشمله» حين يتناول السكر منفصلاً، ويعد الشاي في «السماوا العراقية»، وهو عبارة عن إبريق يتكون من جزأين، ويسكب في كأس يسمى «الاستكان» وأصل الكلمة إنجليزية، وهي مكونة من ثلاث مقاطع East -tea - can أي كوب الشاي الشرقي.
وتزخر العراق بالعديد من العصائر الصحية الرمضانية التي تزين المائدة خلال الشهر الكريم، فمائدة الإفطار لا تكتمل حسب قول هانزادة من دون هذه العصائر، موضحة أنها تتمثل في قمر الدين، والنومي بصرة وهو عصير أساسه اللومي اليابس الذي ينقع في الماء ويستخرج منه هذا العصير، والتمر هندي، واللبن «الشنينة» وعصير الزبيب، وتتميز هذه العصائر بكونها طبيعية.

رمضان الإمارات.. حفاوة وحسن استقبال

أوضحت حرم السفير العراقي هانزادة أنها قضت رمضان في العديد من البلدان، إلا أنها تجد رمضان في الإمارات الأقرب إلى قلبها، لا سيما أنها اندهشت لحجم الخيم الرمضانية وأعدادها الكثيرة التي تغطي الدولة وما يميزها من فخامة، مشيرة إلى أنها قررت الإفطار بين جموع الناس في جامع الشيخ زايد الكبير لتفاجأ بتلك الحفاوة وحسن الاستقبال والكرم في إطار من التعايش والتسامح الديني، حيث تجمع هذه الخيم الخمس نجوم جميع الجنسيات من المسلمين وباقي الديانات دون تمييز ليحظى الجميع بفرصة تجريب طقوس رمضان، وقد سعدت جداً بعيش هذه التجربة إلى جانب باقي الجنسيات، وقد لاحظت تدفق الناس وسعادة الأطفال الذين ينتظرون بشغف طلقات المدفع للإعلان عن وقت الإفطار، «أما على الصعيد الشخصي، فإننا نحرص على الاحتفاء برمضان إلى جانب جاليتنا العراقية ونقيم أكثر من مأدبة إفطار في الشهر الكريم لنتقاسم فرحة هذا الشهر العظيم».
وتضيف: «كما قضينا رمضان بأميركا وكان أطول رمضان، إلا أن الجالية العراقية هناك أكثر تماسكاً وترابطاً، وكنا نقيم الإفطارات الجماعية، بينما رمضان في ماليزيا يعتبر من أجمل الشهور، وأعتبره من الأيام المميزة، حيث قضينا أياماً رائعة بصحبة أطفالنا، كنا نفطر بالمطاعم التي تتحول إلى مأدبة رمضانية رائعة وتجمع خليطاً من الثقافات من هندي وماليزي وصيني، بالإضافة إلى الأجواء الرمضانية من مسابقات حفظ القرآن، والطقوس الرمضانية من صلاة وقيام وترابط وكرم، كما قضينا رمضان في مصر له نكهة خاصة، فالقاهرة المدينة التي لا تنام في رمضان تحيي حياة مختلفة، تعج بالمارة والفوانيس تلون الشوارع والأزقة، أما رمضان لبنان فله ميزات خاصة، ورمضان جنيف غربة، كنا نكسر حدتها بالتجمعات مع الجالية وإقامة الإفطارات الجماعية وتلبية الدعوات.

استقبال العيد
تقول هانزادة: «في الثلث الأخير من شهر رمضان يبدأ الناس بالاستعداد لاستقبال عيد الفطر المبارك من خلال تزيين البيوت لاستقبال المهنئين من الجيران، الأقارب، والأصدقاء، وتقوم ربات البيوت بصنع الحلويات والمعجنات خاصة «الكليجة» لتقديمها مع العصائر للضيوف الذين يأتون في العيد، كما يتم تجهيز ألعاب الأطفال «المراجيح، الزحليكات، دولاب الهواء» في الساحات والمناطق الشعبية.

طبق «الضولمة»
هانزادة التي تعد جميع الأطباق والحلويات بنفسها وتعشق تحضير طبق «الضولمة»، أوضحت أنها تكون سعيدة جداً، وهي تعد أطباق رمضان كثيرة ومتنوعة لتتبادلها مع جيرانها وصديقاتها من جميع الجنسيات، حيث تعتبر رمضان في الإمارات عنوانه الكرم والعطاء والمحبة والتسامح والخير، فهي تستقبل العديد من الأطباق وأنواع من التمور والحلويات، كما توزع الأطباق العراقية على صديقاتها وجيرانها».